الحكومة اللبنانيّة: ميداليّة ذهبيّة في أولمبياد التهرّب من المسؤوليّة

ترجمة هنا لبنان 19 شباط, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:

يبدو أنّ الحكومة اللبنانيّة تبنّت، ومنذ أشهر متعدّدة، أسلوبًا أصبح مألوفًا: إعلان إجراءات ثقيلة الوطأة، وإثارة استنكار فوريّ، وتظاهرات غضب، ثمّ الاستفادة من الفصل بين الدّور التنفيذيّ والتشريعيّ، لإلقاء المسؤوليّة النهائيّة على البرلمان. أسلوب حكم أقرب إلى الهروب التجميليّ منه إلى الإصلاح الحقيقيّ.

يُجسّد القانون المتعلّق بـ “الفجوة الماليّة” خير مثال على ذلك. ففي تقديمه كمحاولة لتوضيح حجم الخسائر، وضمان إعادة الودائع، أثار القانون غضبًا عارمًا، وشبه شامل. والسّبب بسيط: حمّل النصّ المودعين، والمصارف، العبء الأكبر للأزمة، فيما أعفى الدولة من مسؤوليّاتها، بشكلٍ واسعٍ، سعيًا إلى إخفاء عقود من الهدر والفساد. بتعبير آخر، يتعيّن على مَن موّلوا، من دون علمهم، نظامًا فاسدًا، أن يدفعوا بمفردهم ثمن انهياره.

أمام هذا الرّفض العارم، لم يُصلح مجلس الوزراء الخطأ، بل اكتفى بتحويل الملفّ إلى البرلمان، راميًا المسؤوليّة عليه، ومتّخذًا عمليًّا وضعيّة “بونتيوس بيلاطس”: اتّخاذ القرار من دون تحمّل العواقب.

وها هي الحلقة تتكرّر، تقريبًا بالطّريقة عينها. فبعد احتجاجات موظّفي القطاع العام، المُختنقين تحت وطأة انهيار القدرة الشرائيّة، جاء الردّ الحكوميّ بإعلان زيادة في الضّريبة على القيمة المضافة، وفرض ضريبة جديدة على الوقود، بهدف تمويل زيادات في الرّواتب. قرار مرتجل من النّاحية الاقتصاديّة، وظالم من النّاحية الاجتماعيّة، بما أنّ هذه الضّرائب تطال الجميع بشكل مباشر، وبالتّالي، تُثقل بالأساس كاهل الفئات الشعبيّة، والأسر الّتي تعاني أصلًا هشاشة اقتصاديّة.

ومجدّدًا، بدل أن تتحمّل الحكومة خيارًا سياسيًّا واضحًا، نقلت الملف المتفجّر إلى البرلمان، وكأنّ الأمر مجرّد محطّة إداريّة، وتركت للنوّاب وحدهم عبء تحمّل الكلفة السياسيّة. وحتّى لو بدت الخطوة منطقًا مؤسّساتيًّا، فتمرير وابل من الإجراءات، يلتقي فيها الارتجال مع انعدام المسؤوليّة ليس بصادق، ولا بأخلاقيّ.

تحمل هذه الطّريقة أثرًا سلبيًّا مزدوجًا: فهي، من جهة، تغذّي الغضب الاجتماعيّ بإعطاء الانطباع أنّ القرارات مرتجلة، ومنفصلة عن الواقع الاقتصاديّ. ومن جهة أخرى، تضع النوّاب في مأزقٍ سياسيٍّ قبل أشهر قليلة من استحقاق انتخابيّ كبير هو الانتخابات التشريعيّة. لا أحد يريد تحمّل قوانين غير شعبيّة.

أمّا النّتيجة، فتشريعات وُلدت ميتة، وحُكم عليها بالبقاء حبرًا على ورق؛ تشريعات صيغت من أجل الاستعراض الإعلاميّ، لا التّطبيق.

ويُشبه المزج بين الارتجال والتنصّل المؤسسيّ هذا “التّرقيع”، القائم على إجراءات جزئيّة، ومتناقضة، ومفتقرة إلى أي رؤية شاملة. لكنّ لبنان لم يعد يحتمل الألاعيب الشكليّة هذه. فالأزمة تتطلّب قرارات متماسكة، وموزّعة بإنصاف بين الدولة والمواطنين.

وإن لم يحصل ذلك، سيواصل لبنان السّير في منطقة رماديّة، منطقة تُسَنُّ فيها القوانين بالشّكل، ويُمارَس فيها الحكم بلا قرار، وتختفي فيها المسؤوليّة خلف جدران المؤسّسات.

وكما قال غروشو ماركس: “السّياسة هي فنّ البحث عن المشاكل، والعثور عليها، وتشخيصها بشكل سيّئ، ثمّ تطبيق العلاجات الخاطئة”.

تستحقّ الحكومة ميداليّة ذهبيّة بلا منازع، صدّقوني…

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us