وسط أجواء متوتّرة وبرعاية أميركية… جنيف تستضيف الجولة الثانية من المفاوضات الروسية – الأوكرانية

انتهت اليوم الأربعاء، الجولة الثانية من المفاوضات الروسية – الأوكرانية، التي تستضيفها جنيف برعاية الولايات المتحدة الأميركية، في محاولة جديدة لإنهاء الحرب المستمرّة منذ أربع سنوات بين موسكو وكييف.
واستأنف المفاوضون من الطرفين محادثاتهم بعد جولتَيْن سابقتَيْن عُقدتا في أبو ظبي، ووُصفتا بالبنّاءة، لكنّهما لم تحقّقا أي اختراق ملموس في الملفات الخلافية. وأبدى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف تفاؤلًا حذرًا حول قدرة واشنطن على تحقيق تقدّم في مسار التفاوض، في حين وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الاجتماعات بالصعبة، مؤكدًا أن روسيا تحاول إطالة أمد المحادثات التي كان بالإمكان الوصول فيها إلى مرحلة نهائية أسرع.
ركّزت الجولة الحالية على القضايا الجوهرية، وعلى رأسها مسألة الأراضي التي تُطالب روسيا بالسيطرة عليها، بما يشمل أجزاء من دونيتسك وشبه جزيرة القرم، وهي القضايا التي شكّلت العقبة الأكبر أمام أي حل سياسي منذ بداية النزاع. وعلى الرغم من جهود الوساطة الأميركية، تستمر موسكو في المطالبة بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق التي احتلّتها، وضمان عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي وعدم نشر قوات أوروبية على أراضيها. في المقابل، تؤكّد كييف أن التنازل عن الأراضي الواقعة خارج سيطرتها الدستورية أمر مستحيل، ويعدّ مسألة حساسة وغير قانونية.
وأكّد زيلينسكي في تصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنّ مشاركة أوروبا في مسار التفاوض أمر حيوي لضمان صمود أي اتفاقات يتمّ التوصل إليها بشأن وقف الحرب. وأضاف أنّ اللقاء الذي جمع الوفد الأوكراني مع مسؤولين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا أمس الثلاثاء، يعدّ خطوة أساسية لضمان التنفيذ النّاجح لأي اتفاقات قابلة للتحقق. وأوضح أن المحادثات مع روسيا كانت صعبةً، مشيرًا إلى أنّ مناقشة الخطوات المتعلقة بتبادل الأسرى بين كييف وموسكو ستكون على جدول أعمال اليوم.
من جانبه، وصف رئيس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي المحادثات بالصعبة لكنّها جادّة، مشيرًا إلى أنّ الاجتماعات استمرّت ساعتين، وأنّ جولات إضافية ستعقد قريبًا. وذكر مصدر من وفد موسكو أنّ اليوم الأول من المباحثات تميّز بأجواء متوتّرة استمرت ست ساعات، ما يعكس عمق الخلافات بين الطرفين، وحرص كل طرف على الحفاظ على موقفه في القضايا الأساسية.
تأتي هذه الجولة قبل أيام قليلة من الذكرى الرابعة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 شباط، الذي أدّى إلى مقتل عشرات الآلاف، وتهجير ملايين المدنيين، وتدمير واسع للبُنية التحتية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات وشبكات الطاقة. وتشير التقديرات إلى أنّ روسيا تُسيطر على نحو 20 بالمئة من الأراضي الأوكرانية، تشمل القرم وأجزاء من دونباس، وهي المناطق التي شكلت محور النزاع المستمر منذ عام 2014. ومع دخول فصل الشتاء القارس، أدّت الغارات الروسية الأخيرة على البنية التحتية للطاقة إلى حرمان مئات الآلاف من المواطنين من التدفئة والكهرباء، ما يزيد من الضغوط الإنسانية على السكان المدنيين.
في المقابل، تمثل الجولة الحالية فرصةً لإعادة إشراك المجتمع الدولي، خصوصًا القوى الأوروبية، في محاولة لتثبيت أي اتفاق مستقبلي. وأكد زيلينسكي أنّ أي نجاح للاتفاقات يعتمد على مشاركة أوروبا، معتبرًا أن التنفيذ الناجح لأي اتفاق يتطلّب إشرافًا دوليًّا مباشرًا. وأشار إلى أن اجتماعات الوفد الأوكراني والأميركي مع المسؤولين الأوروبيين ستسهم في صياغة حلول عملية لضمان عدم انتهاك أيّ من الأطراف للالتزامات المتفق عليها.
وتعكس المفاوضات الحالية استمرار الولايات المتحدة في الضغط على موسكو وكييف للتوصل إلى حلّ، إذ قدمت واشنطن قبل أشهر خطةً شاملةً من نحو 20 بندًا، تضمّنت مطالبة كييف بتقديم بعض التنازلات، خاصةً في شرق البلاد، مقابل ضمانات أمنية رادعة، بينما أكّدت أوكرانيا مرارًا أنّ التنازل عن الأراضي الواقعة خارج سيطرتها أمر صعب وغير دستوري. في المقابل، تصرّ موسكو على الانسحاب الأوكراني من دونيتسك، والتنازل عنها، وضمان عدم نشر قوات أوروبية، وعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وهو ما يجعل حلّ الخلافات صعبًا ويُطيل أمد الأزمة.
تأتي هذه الجولة وسط ضغوط سياسية متزايدة على الجانبين، حيث يشكّل الضغط الأميركي والأوروبي عاملًا أساسيًا لدفع المفاوضات، لكن التوتّر بين الوفدَيْن يعكس عمق الأزمة، ويؤكّد أن الحلول لن تكون سهلة. وتشير المصادر إلى أنّ أي اتفاق مستقبلي سيكون حسّاسًا للغاية، ويحتاج إلى آلية متابعة دقيقة لضمان تنفيذه على الأرض، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها، بما يضمن حقوق المدنيين ويحمي سيادة أوكرانيا.




