حكومة “من العِبّ للجيبة”: ضرائب عشوائيّة وانعكاسات كارثيّة!

على الحكومة إقفال مكامن الهدر الكثيرة ومنها التهرّب الجمركي والأملاك البحريّة وأصول الدّولة المتروكة وغير المنتجة، وضبط الإنفاق، ومساعدة المواطنين بدل فرض ضريبة عليهم وتعويض فشل الدّولة من جيوبهم كما يحصل الآن. الهدر كبير على صعيد الدّولة، والإصلاحات غير موجودة، وهذا يزيد الضّغط على المواطن اللّبناني.
كتب إيلي صروف لـ”هنا لبنان”:
سقطةٌ جديدةٌ تُضاف إلى سجلّ حكومة نوّاف سلام، الّتي استبشرنا خيرًا بها عند تشكيلها، ليتبيّن خلال عامٍ من التجربة أنّها نسخةٌ منمّقةٌ عن سابقاتها، لناحية الاعتماد على مصدرٍ واحدٍ وأساسيٍّ لتمويل السّياسات الفاشلة وتأمين الإيرادات المطلوبة، وهو جيوب المواطنين. حكومةٌ نَزعت عنها ثوب “الإصلاح والإنقاذ” البرّاق، ورفعت شعار “من العِبّ للجيبة” الهدّام!
لا شكّ أنّ تصحيح رواتب وأجور العاملين في القطاع العام هو حقٌّ وواجبٌ، على الرغم من أنّ بعضهم غير مؤهّلين، أو شوّهوا صورة القطاع بسبب إهمالهم واستهتارهم وسوء تأديتهم للوظيفة العامّة وتخلُّفهم عن الحضور إلى مراكز عملهم، أو أُدخلوا إلى الملاك عن طريق الواسطة ولاعتباراتٍ طائفيّةٍ ومذهبيّةٍ ضيّقةٍ.
وهنا تبرز أهميّة تصحيح الإدارة العامّة قبل تصحيح الرّواتب، من خلال “نَفضَةٍ” جدّيّةٍ وإعادة هيكلةٍ تساهم في تقديم مفهوم المهنيّة والإنتاجيّة على حساب المحسوبيّة والزّبائنيّة، وسدّ مزاريب الهدر والرّشاوى، وترشيق القطاع العام وإعادة توزيع فائض الموظّفين والمتعاقدين لملء الشّواغر في الوزارات والدّوائر الرّسميّة. هذا فضلًا عن الحاجة إلى تحديث ورقمنة المؤسّسات الرّسميّة بالدّرجة الأولى -فالتحوّل الرّقمي قد يكون حلمًا بعيد المنال- ما يُحسّن الخدمات الإداريّة ويُسرّعها، ويُساعد على حفظ المعلومات والمستندات وتحديثها إلكترونيًّا.
إلّا أنّ هذا التصحيح للأجور يجب أن يتمّ استنادًا إلى رؤيةٍ اقتصاديّةٍ واضحة وإصلاحاتٍ في القانون الضّريبي لمنع التهرّب الضّريبي. على أن تترافق مع إجراءاتٍ فاعلةٍ تشمل مكافحة مزاريب الهدر والفساد، وتشديد الرّقابة على المعابر لمنع التهريب، وتحسين الجباية، وزيادة الرّسوم على إشغال الأملاك البحريّة والنّهريّة؛ وتحصيل الإيرادات من المقالع والكسّارات. ولا شيء يبرّر أن يموّل المواطنون بأنفسهم الزّيادة المقرَّرة على رواتب الموظّفين، ويدفعوا بالتالي ثمن مُسكِّنات الحكومة للقطاع العام وفشل الدّولة الغائبة منذ سنوات.
فقرار مجلس الوزراء الأخير بإعطاء موظّفي القطاع العام بأسلاكهم كافّة والمتعاقدين ستّة رواتب إضافيّة، على أن تؤمَّن الواردات من خلال زيادة 300 ألف ليرة لبنانيّة على سعر صفيحة البنزين، وزيادة الضّريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1 بالمئة لتصبح 12 بالمئة، هو استمرار لسياسة الهروب إلى الأمام ومدّ اليد إلى جيوب المواطنين المُستنزَفة أساسًا. وسيترتّب على هذا القرار العشوائي ارتفاعٌ في كلفة النّقل وأسعار السّلع والخدمات، ما يفاقم الأزمة المعيشيّة والاقتصاديّة الّتي يعيشها الشّعب اللّبناني.
قرارات عشوائيّة وخراب اجتماعي
في هذا الإطار، يعتبر وزير الاقتصاد والتجارة الأسبق البروفيسور آلان حكيم، في حديثٍ لـ”هنا لبنان”، أنّه “من المعيب أن تتّخذ الدّولة قراراتٍ غير مسؤولة وغير مرتكزة إلى أيّ دراسات ماليّةٍ واضحة، لا سيّما أنّها تؤثّر تأثيرًا مباشرًا في المواطن اللّبناني. ولسوء الحظ، لا توجد مسؤوليّة اجتماعيّة بل خراب اجتماعي يطال المجتمع اللّبناني يوميًّا، والحكومة تساهم في هذا الخراب مباشرةً”.
ويوضح أنّ “رفع ضريبة القيمة المضافة من 11 إلى 12 بالمئة، سيؤدّي إلى تضخّم وزيادة أسعار معظم السّلع والخدمات مباشرةً. وللأسف، فَإنّ سلام يتناول أحيانًا مواضيع لا يفقهها، كقوله إنّ الـTVA تطال بعض المواد فقط، وهذه النّغمة نسمعها منذ ثلاثين عامًا حتّى اليوم مع كلّ رفع للـTVA، في حين أنّ النّتائج واضحة وتتكرّر وهي زيادة بنحو 20 إلى 30 بالمئة على أسعار السّلع الاستهلاكيّة عامّةً”، مؤكّدًا أنّ “الضّريبة على القيمة المضافة تؤثّر في جميع الأسعار سواء مباشرةً أو بطريقة غير مباشرة”.
ويشير حكيم إلى أنّ “ارتفاع أسعار المحروقات سيساهم في ارتفاع كلفة النّقل والإنتاج، وفي زيادةٍ عامّةٍ للأسعار”، منوّهًا إلى أنّ “كلفة الإنتاج في لبنان من الأعلى في الشّرق الأوسط”. ويلفت إلى أنّ “نتيجة قرار الحكومة سيكون انخفاضًا واضحًا في القدرة الشّرائيّة لا سيّما لدى الطّبقتَين الفقيرة والوسطى، اللّتين تدفعان الثّمن يوميًّا”، مذكّرًا بـ”قرار الحكومة غير المسؤول في العام 2017، الّذي أدّى إلى الأزمة الماليّة، وتمثّل بإقرار سلسلة الرّتب والرّواتب الجديدة الّتي سُرقت لاحقًا في العام 2019، جرّاء تدهور قيمة اللّيرة اللّبنانيّة”.
كما يدقّ حكيم جرس الإنذار، منبّهًا إلى أنّ “كلّ ما يحصل سيؤدّي إلى وضع سدٍّ منيعٍ أمام الاقتصاد اللّبناني وإلى تباطؤ النّشاط الاقتصادي، بعدما كنّا ننادي دائمًا بإعادة الدّورة الاقتصاديّة إلى مجراها الطّبيعي، بالإضافة إلى تراجُع الاستهلاك بسبب ضعف القوّة الشّرائيّة لدى شريحةٍ كبيرةٍ من المواطنين، وانخفاض الطّلب الدّاخلي؛ وتباطؤ التجارة والخدمات عامّةً”.
وأفاد حكيم بأنّ “زيادة الضّرائب على الشّركات ستنعكس تراجعًا على صعيد السّيولة والاستثمار، وتوقّفًا لعدد من المشاريع، وارتفاعًا في نسبة البطالة”، مركّزًا على أنّ “التأثير سيكون سلبيًّا على جميع الأصعدة، ما يؤشّر إلى غياب حسّ المسؤوليّة لدى أصحاب القرار”.
كان أمام الحكومة عددٌ من الخيارات الإصلاحيّة لتأمين الإيرادات اللّازمة لتصحيح الرّواتب والأجور، فهي على درايةٍ بمنابع النّزف المالي، إلّا أنّها قرّرت غضّ النّظر جُزئيًّا وتحميل الشّعب مسؤوليّة العجز والترقيع.
ويرى حكيم أنّ من أبرز الإجراءات والإصلاحات الّتي على الحكومة القيام بها، هي “إقفال مكامن الهدر الكثيرة ومنها التهرّب الجمركي والأملاك البحريّة وأصول الدّولة المتروكة وغير المنتجة، وضبط الإنفاق، ومساعدة المواطنين بدل فرض ضريبة عليهم وتعويض فشل الدّولة من جيوبهم كما يحصل الآن. الهدر كبير على صعيد الدّولة، والإصلاحات غير موجودة، وهذا يزيد الضّغط على المواطن اللّبناني”.
ويشدّد على “ضرورة إجراء إعادة هيكلة كاملة للقطاع العام، فاليوم هناك ثلاث شرائح في الدّولة: شريحة الموظّفين الضّروريّين، شريحة الموظّفين الّذين لا حاجة إليهم ويتقاضون رواتبهم، وشريحة الموظّفين غير الموجودين في الدّولة”، مُبيّنًا أنّه “يجب تنظيف القطاع العام وتحسين الدّورة الاقتصاديّة، واعتماد إدارة حكيمة وشفّافة، قبل زيادة الرّواتب”.
في سياق متّصل، أظهرت إحصاءات إدارة الجمارك اللّبنانيّة ارتفاع فاتورة الاستيراد خلال الأحد عشر شهرًا الأولى من عام 2025، ما أدّى إلى اتساع عجز الميزان التجاري ليصل إلى 16.166 مليار دولار مقابل 13.222 مليار دولار في الفترة نفسها من العام 2024. وهذا أنذر بدخول لبنان في أزمة شحّ في الدّولار. إلّا أنّ حكيم يفسّر أنّ “أزمة لبنان الاقتصاديّة ترتكز إلى شحّ الدّولار، ويمكن اختصارها بأزمة السّيولة، ونحن لا نزال في الموقع نفسه على هذا الصّعيد. كانت هناك بعض الآمال بالمبادرات الاقتصاديّة الفرديّة الّتي أدّت إلى نمو ما بين 3 و4 بالمئة، لكن اليوم سدّدت الدّولة ضربةً جديدةً لهذا النّمو”.
خطوة رفع أسعار المحروقات وزيادة الـTVA ليست إجراءً ماليًّا عابرًا، بل أشبه بجريمةٍ ذات طابعٍ اقتصاديٍّ بحقّ المواطنين، وتكرار للأخطاء نفسها الّتي أوصلت لبنان إلى الانهيار. ومن النّقل والسّوبرماركت إلى التوصيل والشّحن والخدمات… معظم الأسعار سترتفع، وما سيتقاضاه الموظّفون من جهةٍ سيدفعونه وأكثر من جهةٍ ثانية. فهل ستتراجع الحكومة عن قراراتها، وتبحث عن بدائل تمويليّة أخرى تندرج تحت خانة معالجة جذور الخلل؟ وهل سيمرّر مجلس النّواب قانون رفع الضّريبة على القيمة المضافة؟.
مواضيع مماثلة للكاتب:
السّجون اللّبنانيّة على شفير الانفجار: موتٌ خلف القضبان وعدالةٌ معلّقة! | بين نِعمة الأمطار ونقمة الفيضانات… وزارة الأشغال تحت المجهر! | أدويةٌ منتهية الصلاحيّة… ومعنيّون يتراشقون المسؤوليّة! |




