موازنة 2026: يد الحكومة في جيوب المواطنين والعدالة الضريبية غائبة

بدل أن تفرض الدولة الرسوم على السيارات الفخمة، اختارت تحميل المواطنين العاديين أعباء إضافية عبر ضريبة 300 ألف ليرة على البنزين لتأمين الإيرادات. فيما يظلّ أصحاب القدرة المالية العالية قادرين على تسجيل سياراتهم الفخمة الهجينة بتكلفة قريبة من تسجيل سيارة عادية.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
في وقتٍ اختارت فيه الحكومة أن تمدّ يدها مجدّدًا إلى جيب المواطن عبر فرض ضريبة إضافية على البنزين بقيمة 300 ألف ليرة، وهي خطوة انعكست مباشرةً على كلفة التنقّل، وغير مباشرة على مجمل الأسعار في الأسواق، برزت مفارقة يصعب تبريرها في موازنة عام 2026. فهذه الزيادة لم تتوقّف عند حدود فاتورة المحروقات، بل سرعان ما تسلّلت إلى أسعار السّلع والمواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية، إذ ارتفعت كلفة النقل والتوزيع، ودفع المستهلك الثمن مضاعفًا في كل تفصيل من تفاصيل حياته اليومية.
وبينما كان اللبناني ينتظر إجراءاتٍ تُخفّف الأعباء أو، على الأقل، تُوازن بين متطلّبات الإيرادات والعدالة الاجتماعية، جاء القرار المقابل في موازنة 2026 ليطرح علامات استفهام كبيرة، مع شبه إلغاء الرسوم على السيارات الفخمة الهجينة، أي تلك التي تعمل على البنزين والكهرباء، وهي في معظمها مركبات مرتفعة الثمن موجّهة أساسًا إلى شريحة ميسورة. وهكذا بدا المشهد وكأنّ الدولة تشدّ الحزام على الفئات الأكثر هشاشة، فيما تمنح تسهيلات ضريبية لسلع تُصنَّف ضمن الكماليات.
هذا التناقض الصارخ بين زيادةٍ تطال الاستهلاك اليومي للمواطن، وتخفيفٍ يطال سلعًا ذات طابع ترفي، يفتح باب التساؤل حول فلسفة الموازنة نفسها: هل هي أداة إصلاح ماليّ فعلًا، أم مجرّد إعادة توزيع للأعباء بطريقة تفتقر إلى العدالة الاقتصادية والرؤية الاجتماعية؟
ولتوضيح حجم المفارقة بالأرقام، يكفي النظر إلى كيفية احتساب الرسوم بين السيارات العادية وتلك الهجينة. فاليوم، إذا أراد مواطن شراء سيارة تقليدية تعمل على البنزين فقط بقيمة 20 ألف دولار مثلًا، تُفرض عليه رسوم جمركية تصاعدية:
– على الشريحة الأولى (13 ألف دولار) يدفع نحو 20%.
– وعلى الشريحة المتبقية (7 آلاف دولار) ترتفع الرسوم إلى 50%.
أي أن السيارة المتوسطة السعر، التي تُعدّ في متناول الطبقة الوسطى، تخضع لرسوم مرتفعة تُثقل كلفة شرائها بشكل واضحٍ.
في المقابل، السيارة الهجينة التي قد يصل سعرها إلى 100 ألف دولار كانت تُحتسب سابقًا على أساس رسم 20% فقط، أي أقل بكثير من العبء المفروض على السيارات الأرخص. لكن ما حصل في موازنة 2026 ذهب أبعد من ذلك، إذ تم منح حسم إضافي بنسبة 80% من هذا الرسم نفسه. عمليًّا، هذا يعني أن الرسم الجمركي تقلّص من 20% إلى نحو 4% فقط من قيمة السيارة.
بهذا التعديل، أصبحت السيارات الفخمة التي تعمل على البنزين والكهرباء، وهي في الغالب مركبات مرتفعة الثمن لا يشتريها إلّا الميسورون، تتمتع برسوم شبه رمزية، فيما تخضع السيارات العادية، التي يعتمد عليها معظم اللبنانيين، للرسوم الأعلى. والنتيجة أن السياسة الضريبية بدت وكأنها تنقل العبء من شريحة قادرة إلى شريحة أقل قدرة، ما يطرح تساؤلات جدّية حول معايير العدالة الضريبية التي اعتمدت في هذه الموازنة.
وبهذه الطريقة لا يقتصر الأمر على تخفيض الرسوم فقط، بل ينعكس أيضًا انخفاضًا كبيرًا على إيرادات التسجيل التي تُعد من المداخيل الأساسية للدولة. فمع تقليص الرسوم إلى هذا الحد، يُتوقّع أن تتراجع هذه الإيرادات بنحو 70%.
ولتبسيط الصورة: كأنّ الدولة أصبحت تتقاضى تقريبًا الرسوم نفسها على سيارتين مختلفتين كليًّا في السعر، واحدة فخمة ثمنها 100 ألف دولار وأخرى عادية لا يتجاوز سعرها 20 ألف دولار. أي إنّ الفارق الكبير في القيمة لم يعد يوازيه فارق في الرسوم، ما يجعل كلفة تسجيل السيارة المرتفعة قريبة جدًّا من كلفة تسجيل السيارة المتوسطة.
هذا الواقع يُثير تساؤلات إضافية حول الجدوى المالية من هذا الإجراء، إذ تتحوّل الرسوم من مصدر إيراد للخزينة إلى عنصر تخفيفٍ كبيرٍ عن فئة محدّدة من المركبات. كما يلفت متابعون إلى أنّ المستفيد المباشر من هذا التوجّه هم مستوردو وتجار السيارات الهجينة الفخمة، في وقتٍ يُفترض فيه أن تسعى السياسات الضريبية إلى تحقيق توازن بين تشجيع التقنيات الحديثة والحفاظ على موارد الدولة وعدم الإخلال بمبدأ العدالة بين مختلف الفئات.
الغريب في هذا الإجراء أنّ الدولة بدل أن تفرض الرسوم على السيارات الفخمة، اختارت تحميل المواطنين العاديين أعباء إضافية عبر ضريبة 300 ألف ليرة على البنزين لتأمين الإيرادات. في المقابل، يظلّ أصحاب القدرة المالية العالية قادرين على تسجيل سياراتهم الفخمة الهجينة بتكلفة قريبة من تسجيل سيارة عادية. هذا التناقض يطرح تساؤلات جدية حول العدالة الضريبية وأولوية السياسات المالية في موازنة 2026، ويكشف عن فجوة واضحة بين مَن يتحمّل الأعباء اليومية ومًن يستفيد من التسهيلات الممنوحة للسيارات الأغلى سعرًا.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لبنان وسوريا: أسبوع واحد من “الراحة الموقتة”… ونظرة إلى الصادرات اللبنانية إلى دمشق! | بين المطالب والضرائب: معركة الرواتب في قلب القطاع العام | موازنة 2026: بين شراء الوقت وضغوط المواطنين |




