23 شباط… 46 عامًا على اغتيال مايا بشير الجميّل: حين تنتصر الذاكرة ويسقط الجلاد

لبنان 23 شباط, 2026

في 23 شباط 1980، لم تكن الأشرفية على موعد مع انفجار عابرٍ، بل مع لحظة دخلت التاريخ اللبناني كواحدةٍ من أكثر الجرائم إيلامًا. ستة وأربعون عامًا مرّت على اغتيال الطفلة مايا بشير الجميّل، الابنة الصغرى للرئيس الشهيد بشير الجميّل، في عملية تفجير بسيارة مفخخة كانت تستهدف والدها عند طلعة العكّاوي أمام مبنى وزارة الخارجية. لم يكن الهدف طفلة في سنواتها الأولى. الهدف كان مشروعًا سياسيًّا. كانت العبوة الناسفة مُعدّة لاغتيال الرئيس بشير الجميّل، الرجل الذي كان يشكّل في تلك المرحلة عنوان مواجهة سياسية مفتوحة مع الوصاية السورية على لبنان. لكنّ اليد التي ضغطت زر التفجير لم تفرّق بين رجل وطفلة. سقطت مايا شهيدة، وسقط معها وهم أنّ الصراع يمكن أن يبقى في حدود السياسة.

اغتيال لم يكن صدفة

في مناخ الحرب اللبنانية وتعقيداتها الإقليمية، لم يُنظر إلى اغتيال مايا كحادثةٍ أمنية منفصلة، بل كحلقةٍ في سلسلة اغتيالات استهدفت شخصيات وقوى رافضة للنفوذ السوري. الاتهامات السياسية وُجّهت إلى نظام حافظ الأسد باعتباره الطرف الذي كان يسعى إلى كسر خصومه داخل الساحة اللبنانية. كان القرار، وفق هذه السردية، جهنّميًّا: ضرب بشير في عائلته، في دمه، في أضعف نقطة يمكن أن تصيبه. لم يستشهد بشير في ذلك اليوم، لكنّه تلقّى ضربةً شخصيةً موجعة. وبعد عامين، انتُخب رئيسًا للجمهورية، ليُغتال هو نفسه في 14 أيلول 1982، لتتكرّس مرحلة كاملة من الدم السياسي في لبنان.

مايا… شهيدة الطفولة

تحوّلت مايا إلى رمز. لم تكن شخصيةً سياسيةً، ولم تكن طرفًا في نزاع. كانت طفلة وجدت نفسها ضحية نظام دموي قاتل لا يرحم لا طفولة ولا يحترم سيادة. لذلك، حملت ذكراها معنى يتجاوز السياسة: معنى البراءة التي تُستهدف حين تعجز الأنظمة عن كسر خصومها بوسائل أخرى.

ستة وأربعون عامًا، واسمها لا يزال يُستحضر كل 23 شباط. في الذاكرة الجماعية لفئة واسعة من اللبنانيين، هي شهيدة الطفولة، وذكرها مؤبّد، لا يسقط بتقادم السنوات.

سقوط النظام… ومعنى العدالة

اليوم، ومع سقوط النظام السوري الذي اتُهم طويلًا بإدارة شبكة الاغتيالات في لبنان، يرى الكثيرون أنّ العدالة، وإن لم تأتِ عبر محكمة أو حكم قضائي مباشر، تحقّقت بمعناها التاريخي. سقط النظام الذي تورّط في اغتيال الطفلة، وتبدّلت المعادلات التي حكمت لبنان لعقود.

قد لا تعيد السياسة طفلةً إلى الحياة، ولا تمحو وجع عائلة، لكنّ سقوط الجلاد يحمل دلالةً رمزيةً عميقةً: لا نظام يدوم، ولا سلطة تبقى فوق المحاسبة إلى الأبد.

الزمن قد يطول، لكنّ مساره لا يتوقف.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us