مجلس النواب أمام مسؤولية تاريخيّة: الخضوع لإملاءات “صندوق النقد” أو حماية أموال “المودعين”!

خاص 24 شباط, 2026

جمع لقاء رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس ووفد من جمعية المصارف برئاسة الدكتور سليم صفير، اليوم، في السراي الحكومي، حيث وضع صفير على الطاولة هواجس القطاع المصرفي من قانون “الفجوة المالية” انطلاقًا من الدراسة التي أعدّتها شركة الاستشارات العالمية “أنكورا” بتكليف من الجمعية حول مشروع قانون “الفجوة المالية” الذي أحالته الحكومة إلى المجلس النيابي.

عرض صفير المخاطر التي تواجه القطاع في حال تطبيق مشروع القانون بالصيغة التي وضعتها الحكومة، فيما أعرب سلام عن انفتاح لمناقشة المشروع شرط البقاء ضمن الإطار العام الذي وضعته الحكومة، معتبرًا أنّ ما وُضع يُشكّل المدخل الإلزامي لإعادة الانتظام إلى المالية العامة وإطلاق مسار التعافي. ولم يُبدِ سلام أي تفاعل مع “نتائج الدراسة التي وضعتها أنكورا”، وعاد ليركّز على ضرورة الالتزام بالمبادئ التي أرست عليها الحكومة مشروع القانون.

في هذا السياق، تؤكد مصادر متابعة للملف أنّه كان ضمن هذه المبادئ الرّفض المستمرّ لوصف الأزمة بالنظامية كمدخل أساسيّ لمقاربة توزيع المسؤوليات والخسائر، فهذه من النقاط الجوهرية التي على مجلس النواب معالجتها حمايةً لإنجاح أي خطة. فالاعتراف بنظاميّة الأزمة يُلْزِمُ الدولة أن تكون شريكًا فعليًّا بتحمّل المسؤوليات وأهمها الجزء الأساسي من الخسائر لتمويل الودائع.

هنا أيضًا يُطرح سؤال حول مدى استمرار الحكومة بوزرائها بالالتزام بما يطلبه “صندوق النقد الدولي” لناحية نظرية تطبيق تراتبيّة المُطالبات (Hierarchy of claims) من دون الأخذ في الاعتبار تراتبيّة المسؤوليات (Hierarchy of responsibilities)، وهنا كلمة الفصل يجب أن تكون لمجلس النواب في ظلّ الخطورة التي تحدّق بالقطاع المصرفي ومعه الودائع في حال تطبيق هذه المقاربة التي تؤدّي حتمًا إلى إقفال معظم المصارف. ما يُحتّم إذًا العمل على إقرار الإجراءات الهادفة إلى اقتراح تنظيف الودائع من الشوائب قبل تطبيق تراتبيّة المطالبات حمايةً للمودعين وعدم التهاون مع الصندوق.

تحمّل الدولة لمسؤولياتها يُعتبر أساسًا لأي مدخل للحل، كون إقرار قانون لا يمكن تطبيقه والإيفاء بالتزاماته يعني حُكْمًا الانتقال من أزمة إلى أخرى، وما أمام مجلس النواب حاليًّا ما هو إلّا مشروع قانون لا يُحدّد بوضوح مسؤولية الدولة “بالأرقام”، فيما تصل كلفة إعادة الودائع “ما دون 100 ألف دولار” إلى ما يقارب 22 مليار دولار، أمّا السيولة المتوفرة للدفع لدى مصرف لبنان والمصارف فلا تتجاوز 15 مليار دولار، ما يعني وجود فجوةٍ تقارب 7 مليارات دولار.

هنا ما هو عجيب، فالحكومة عند إقرارها لمشروع القانون لم تُنْجِزْ أي دراسة للسيولة المتاحة، أي ما يُعرف بالـ”Liquidity stress test”.

أمّا بالنسبة للودائع التي تتخطّى الـ100 ألف دولار، والتي يطرح مشروع القانون تغطيتها بسندات مُعزّزة بأصول مصرف لبنان وقيمتها تتخطّى 38 مليار دولار، فالشكوك تحوم حول القيمة الفعلية لهذه السندات القابلة للتداول والتي ستكون متدنيّةً جدًّا، خاصةً أنها غير مضمونة باحتياطي مصرف لبنان من الذهب.

القانون حاليًّا أمام مجلس النواب الذي يجب أن يأخذ بالدراسة الأخيرة التي وضعتها شركة “أنكورا” المتخصّصة وأخذت بالاعتبار معطيات 25 مصرفًا، تمثّل 92% من حجم القطاع المصرفي اللبناني، وأهم ما ورد فيها أنّ 550 ألف مودع ستعجز المصارف عن دفع أموالهم نقدًا إذا تمّ احتساب الاحتياطي الإلزامي في مصرف لبنان على أساس أنّه للمركزي، وإذا لم يتمّ حسم ما دُفع وفق التعميمَيْن 158 و166.

وفي حال تطبيق قانون “الفجوة المالية” من دون تعديل جوهري، فـ10 مصارف فقط ستكون قادرةً على دفع المطلوب منها في السنة الأولى، و8 مصارف في السنة الثانية، و7 مصارف في السنة الثالثة، و6 مصارف فقط ستتمكّن من مواصلة الدفع في السنة الرابعة، خاصةً أن حجم المطالبات، أي الودائع التي ستكون بلا سيولة في مجموع المصارف العاجزة عن مواصلة الدفع وفق القانون المقترح، تتخطّى 29 مليار دولار.

فمن أبرز التوصيات بالنسبة لأي قانون لمعالجة الفجوة المالية يأتي في صلبها اعتراف الدولة بالديون المستحقّة لمصرف لبنان، مع امتثال الدولة للالتزامات القانونية بموجبات المادة 113 من قانون النقد والائتمان، واستخدام مصرف لبنان جزءًا من الذهب لتأمين السيولة لسداد أول 100 ألف دولار للمودعين، والأهم استخدام الاحتياطيّات الإلزامية التي تحتفظ بها المصارف لدى مصرف لبنان كجزءٍ من تقاسم الأعباء بين البنوك التجارية.

ويبقى الأهم تعديل آليّة توزيع الخسائر لمعالجة الفجوة في مصرف لبنان، مع إعطاء الأولوية لشطب الشوائب قبل تطبيق الخسائر على حقوق ملكية البنوك، ممّا يسمح للمزيد من المؤسسات المصرفية بالبقاء برأس مال إيجابي.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us