إذًا هل من هجوم؟ وماذا عنّا؟!

ترجمة هنا لبنان 26 شباط, 2026

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:

في الأيّام الأخيرة، من الصّباح وحتّى المساء، لا يطرح اللبنانيّون سوى سؤالَيْن اثنَيْن، لا ثالث لهما، في بداية أي نقاش. وكما هي الحال دائمًا، يقدّم كلّ منهم تحليلًا جيوستراتيجيًّا خاصًّا به، ليُختتم الحديث بخُلاصة أن لا أحد يعلم شيئًا. والسّبب أبسط ممّا نتصوّر: لم تتّخذ الأطراف المعنيّة الرّئيسيّة بعد قرارها!

في واشنطن، تتصاعد وتيرة الضّغط مع التّأكيد أنّ الأيّام الّتي تفصلنا عن الضّربة معدودة، في حال واصل الإيرانيّون المماطلة. في خطابه عن حالة الاتّحاد، أوضح دونالد ترامب أنّه يفضّل الحلّ الدبلوماسيّ، لكنّه شدّد على أنّ فكرة تطوير إيران ترسانة نوويّة، غير واردة. “جميع الخيارات على الطّاولة”، قال الرّئيس الأميركيّ، لا سيّما أنّه يؤكّد سعي إيران إلى تطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتّحدة.

وفي طهران، يُلوّح النّظام بتفجير إقليميّ واسع في حال تعرّض لضربات، بطمأنينة غريبة، تُميّز نظامًا أعمته أكاذيبه الخاصّة. يتّفق الجميع على نقطة واحدة: يخوض الملالي معركة بقاء، وهو ما يجعل أفعالهم عصيّة عن التوقّع، وخطرهم أكبر. محاصرة حاليًّا بين جبهة داخليّة تتجدّد فيها المظاهرات والاحتجاجات الاجتماعيّة، وجبهة خارجيّة تتصاعد فيها الضّغوط الأميركيّة، تتقدّم طهران في مسارٍ محفوف بالمخاطر. الإفراط في تقديم التّنازلات إلى الغرب يهدّد بفقدان دعم قاعدتها المتشدّدة؛ والإفراط في المواجهة قد يؤدّي إلى هزيمة عسكريّة مخزية. والدبلوماسيّة قد تُعتبر استسلامًا مُهينًا. والحرب مصيرها الهزيمة في مهدها. ما العمل إذن، والمفاوضات محفوفة بالمخاطر… والقتال ضرب من ضروب الانتحار؟

كما جرت العادة، قد يلجأ الملالي إلى “تصدير” ردّهم إلى الخارج. إنّها عقيدة الجمهوريّة الإسلاميّة الاستراتيجيّة بحذافيرها: خوض الحروب من دون الإعلان عنها، والضّرب من دون توقيع، والموت بالوكالة. في العراق، في اليمن… وطبعًا في لبنان، حيث تواصل الأداة المحليّة الخلط بين الاغتراب الإقليميّ، وكربلاء الوطنيّة، بإيقاع مترونوميّ لا يعرف الاختلال.

ستكون مواقف روسيا والصّين، في هذا السّياق، حاسمةً. فلا رغبة البتّة عند موسكو وبكين، في خسارة حليف استراتيجيّ، تستخدمه الدولتان كوسيلة ضغط في مواجهة واشنطن، وكعامل إرباك مفيد في آنٍ. إنّما، أن تبلغ الأمور حدّ المجازفة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتّحدة لإنقاذ طهران؟ يبقى هذا الاحتمال بعيدًا أبعد ما يكون عن اليقين.

كما هي الحال في أغلب الأوقات، سيأتي دعم الإمبراطوريّتَيْن، على الأرجح، دبلوماسيًا، واقتصاديًّا… وموزونًا بعناية، لتجنّب أي تورّط عسكريّ مباشر. ما يكفي لإطالة الأزمة، من دون أن تضمنا، بالضّرورة، الفوز بها.

وفي هذه الأثناء، في لبنان، كلّ الأمور مجمّدة. أو تسير ببطءٍ شديدٍ. والترقّب المشحون بالتوتّر هو سيّد الموقف، لمعرفة ما ستُفضي إليه تطوّرات الملفّ الإيرانيّ. وما من تقدّم ملموس بشأن إجراء الانتخابات النيابيّة المقرّرة في أيّار. أمّا مؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ، المزمع عقده في الخامس من آذار في باريس، فيُثير تردّدًا ظرفيًّا لدى المانحين المحتملين، الّذين يفضّلون عدم الاستثمار في بلد قد ينجرّ، بصورة غير متوقّعة، إلى حرب مدمّرة.

خاصّة أنّ حزب الله يواصل خطاباته الحربيّة، وشعاراته الجوفاء. وقد يخوض حرب “دعم” جديدة، كواجب مقدّس، أو كضرورة استراتيجيّة، ضاربًا عرض الحائط تحذير الإسرائيليّين بأنّهم لن يكتفوا باستهداف المواقع العسكريّة هذه المرّة، بل سيكون للبُنى التحتيّة المدنيّة نصيبها من الضّربات. علمًا أنّ الجيش الإسرائيليّ يملك قائمةً تضمّ 1.200 هدف تحت المراقبة، وفي مرمى نيرانه.

يحبس الجميع في بيروت أنفاسه، بما في ذلك الدولة الّتي تبدو، بطريقة عبثيّة، عاجزة عن إجبار الميليشيا على تجنيب البلاد مغامرة “بطوليّة” جديدة، بعواقب كارثيّةٍ. إنّما من الخطأ الجسيم الاستهانة بفهم حزب الله، الّذي حوّل الخطأ الاستراتيجيّ إلى منهج، يتحرّك دائمًا باسم طهران، وأبدًا باسم لبنان، الّذي يبقى مصيره متعلّقًا بقرار لا دخل له فيه، وحرب لا إرادة له فيها، خدمةً لاستراتيجيّة لا تمتّ إليه بصلة.

وكما قال ريموند أرون: “لا مشاركة في السّيادة، وإلّا ضاعت”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us