ليست الموهبة وحدها… هذا ما يصنع النجاح

منوعات 4 آذار, 2026

ليست الموهبة ولا الحظ وحدهما ما يفسّر نجاح بعض الأشخاص، بل طريقة تفكيرهم في قراراتهم اليومية. هناك مهارة معرفية يطلق عليها علماء النفس اسم الوعي بالخيارات، وتقوم على فكرة بسيطة: كل قرار يتخذه الإنسان إما يفتح أمامه آفاقاً جديدة، أو يضيّق خياراته المستقبلية.

ووفقاً لما نشره موقع Global English Editing، كشفت دراسة في دورية Personality and Social Psychology Bulletin أن الأشخاص الذين يضعون العواقب المستقبلية لأفعالهم في الحسبان يحققون نتائج أفضل على المدى الطويل في مجالات الصحة والمال والعلاقات. وأطلق الباحثون على هذه السمة اسم مراعاة العواقب المستقبلية CFC، مؤكدين أنها ليست سمة ثابتة، بل توجّه يمكن تعلّمه وتنميته.

نوعان من القرارات

يميّز الباحثون بين نوعين أساسيين من القرارات:

القرارات المتقاربة
هي التي تُلزم الشخص بمسار واحد وتضيّق خياراته المستقبلية. قد تكون ضرورية أحياناً، لكنها كثيراً ما تأتي متخفّية في ثوب الراحة، كالبقاء في وظيفة مضمونة رغم غياب الشغف، أو الاستمرار في علاقة مرهقة تجنباً لمواجهة صعبة، أو تأجيل حوار حاسم حفاظاً على راحة مؤقتة.

القرارات المتباعدة
هي التي تفتح مسارات جديدة وتُبقي الخيارات متاحة. مثل تعلّم مهارة جديدة، أو خوض محادثة صريحة قد تبدو محرجة لكنها تعيد بناء علاقة بشكل أفضل، أو رفض فرصة جيدة لإفساح المجال أمام فرصة أكثر انسجاماً مع الطموحات.

مرونة القرار

في دراسة نُشرت عام 2017 في دورية Nature Human Behaviour، تبيّن أن الأشخاص الذين يحافظون على مرونة في قراراتهم ويُبقون خياراتهم مفتوحة في ظل عدم اليقين، يُظهرون قدرة أعلى على التكيّف مع مرور الوقت.

كما أظهرت النتائج نشاطاً أكبر في المناطق الدماغية المسؤولة عن تقييم الخيارات المستقبلية، لا سيما في قشرة الفص الجبهي الأمامي، لدى من يفكرون باستمرار في الاحتمالات البعيدة.

الانضباط الهادئ

يشير الخبراء إلى أن ما يبدو نجاحاً سهلاً ليس سوى حصيلة مئات القرارات الصغيرة التي حافظت على الخيارات مفتوحة عبر السنوات. فقد أظهرت دراسة لجامعة مينيسوتا أن كثرة القرارات المدروسة تستنزف الطاقة الذهنية، ما يؤدي إلى تراجع جودة القرارات لاحقاً خلال اليوم. لذلك يميل الأشخاص الأكثر فاعلية إلى تبسيط الأمور الثانوية، لتوجيه طاقتهم نحو القرارات الجوهرية.

ويُعد التأمل اليومي أحد أبرز الوسائل لتعزيز هذه المهارة. فعندما يجلس المرء بضع دقائق كل صباح، يُمارس القدرة الأساسية التي يتطلبها الوعي بالخيارات: التوقف قبل رد الفعل، وملاحظة المسافة بين المُحفّز والاستجابة. في هذا الفراغ، يمكن طرح السؤال الحاسم: هل يفتح هذا الخيار شيئاً أم يغلقه؟

لماذا نقع في فخ القرارات الضيقة؟

تشير الأبحاث إلى عدة أنماط تبقي البعض عالقين في قرارات قائمة على رد الفعل، أبرزها:

  • استراتيجيات البقاء: من نشأوا في بيئات غير مستقرة قد يركّزون على الأمان الفوري، ما يجعل التفكير طويل المدى أمراً ثانوياً. ويتطلب التحوّل جهداً واعياً عبر التأمل أو الدعم النفسي.

  • الضغط الاجتماعي: يميل المجتمع إلى تمجيد الحسم واليقين، بينما قد يُساء فهم إبقاء الخيارات مفتوحة على أنه تردد، رغم أنه قد يكون تعبيراً عن نضج في التفكير.

  • الخلط بين الانشغال والتقدم: الامتلاء الدائم بالأنشطة قد يعطي إحساساً بالإنتاجية، لكنه أحياناً يُغلق المجال أمام فرص غير متوقعة.

  • راحة الهوية الثابتة: يميل الأفراد إلى اتخاذ قرارات تتوافق مع صورتهم الذاتية، حتى لو قيّدت خياراتهم. والحل يكمن في تبنّي هوية أكثر مرونة وقابلية للتطور.

في المحصلة، النظر إلى كل قرار باعتباره خطوة مؤثرة لا يعني التردد، بل الوعي. إنه أسلوب تفكير يشبه لاعب الشطرنج الذي يحسب نقلاته المقبلة قبل تحريك القطعة. هكذا يُصنع النجاح: قراراً بعد قرار.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us