عناصر ملتحية أمام مراكز الإيواء تسمح وتمنع… نازحون: الحزب دمّر “الطايفة” لا إسرائيل!

خاص 5 آذار, 2026

ثلاثة صواريخ أُطلقت من لبنان أصابت وجود اللبنانيين في الجنوب والبقاع والضاحية في الصّميم، فوضّبوا بقايا العمر على عجلٍ في “كيس” ونزحوا نحو دولة لبنان. إنّها المرة الثانية في خمسة عشر شهرًا. إنّها مرّة من مرّاتٍ ليت “حزب الله” كان يعلم فيها ما تقترفه أيديه أو هو يعلم لكنّه مأمور حتّى النّخاع. بدموعٍ وقلقٍ وذعرٍ شديد هربوا، قبل السّحور بقليل، في الليالي الباردة نحو المجهول. فكم صعب أن يوضّب الناس كل العمر في “كيس” ويهشلوا إلى بعض الأمان. يا الله. يا الله من “حزب الله” الذي أثبت مرةً جديدةً أنه لم يبرع إلّا باستهتاره ببيئةٍ صدّقته. تلاعب بعواطفها ويكاد -بفوقيّة شديدة ومغامرة حمقاء غبية شديدة- يطيح بوجودها عن بكرة أبيها.

البارحة، بعد يومين من فعلة “الحزب” الشنيعة واكبنا جمهورًا يُحسب -في المبدأ- عليه، فسمعنا كلامًا كثيرًا أقلّه: حلّ عنا. شبعنا شعارات. نتقيأ مغامرات.

كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:

إنّهم يهربون من مكان إلى مكانٍ ثانٍ فثالث فرابع… رأيناهم يبحثون عن ملجأ لكنّ الملاجئ لم تعد تسعهم. كل الدولة تأهبت لنجدتهم. كل الناس تعاطفوا معهم. لكن، ماذا لو تسلّل مَن هو على اللائحة السوداء -بسلاحٍ وعنادٍ- إلى أماكن يفترض أنها آمنة؟ سؤالٌ لم يبرح بال اللبنانيين في بيروت وجبل لبنان والشمال.

في المنارة، على طول الكورنيش المقابل للجامعة الأميركية، فلشوا حصاد العمر الذي جمعوه على عجلٍ وفرشٍ حصلوا عليها للتوّ وغطّوا في نومٍ عميق علّهم ينسون. أطفال، نساء، شيوخ، شباب، والكثير الكثير من المجهول. مَن له قلب ويراهم، يبكي دمًا. رأيناهم يتناوبون على النوم. رأينا الشيوخ يجلسون على المقاعد الحجرية وعيونهم نحو البحر. هؤلاء، لم يجدوا سوى هذا المكان مأوى بعدما كانوا في بيوتٍ دافئة. ثمّة جريمة اقتُرفت بحقّهم. الشباب يتكلّمون لأول مرة عن ذلك بجرأةٍ كبيرةٍ “أنا من أرنون. أنا من مطمورة. أنا من حارة حريك والليلكي والطيبة ودير قانون النهر والشهابية وجبل الريحان”… أحد هؤلاء قال “كنت سيدًا في بيتي واليوم أصبحت معدومًا”. تكلّم وبكى. صعبٌ أن يبكي رجل كما الطفل.

مَن له حظ وجد سقفًا وفرشةً وحرامًا في مركز إيواء ما أعدّته لحالته وحدة إدارة الكوارث في السراي الكبير. البارحة ناهز عدد مَن لهم حظ الستين ألفًا. والمشرّدون في العراء أضعافًا مضاعفة. فيا لكلفةِ الصواريخ الثلاثة الأولى التي رماها “الحزب” باتجاه ناسه. لكن، هل شعر “المحازبون” بما اقترفوه؟ بصراحة شديدة: لا. حاولنا الدخول إلى مركز إيواء في الدكوانة لكن ملتحين أرادوا بطاقة تعريف. حزب الله يلحق المشردين إلى كلّ مكان بحجّة أنهم ناسه. هو يلاحقهم ليقنعهم بأنه معهم. لكن، مَن استقبل هؤلاء وقدم لهم المياه والطعام والإيواء ومواد التعقيم كانت كاريتاس واليونيسف والصليب الأحمر والطيّبون لا “الحزب”. حزب الله لم يقدّم لهم سوى اللّاأمان تحت شعار “إنّنا لغالبون”.

عناصر “الحزب” في كلِ لبنان. إلى جانب كل كاميرا تتكلّم مع نازح. وعند مدخل كل مركز إيواء. إنّهم شطّار في مناداة الدولة لتتحمل مسؤوليتها حين يشاؤون وحين تفعل يتقدمون عليها -على الرغم من الحظر- على أنهم الفاعلون. ما زال هؤلاء يُقنعون بيئتهم النازحة بأنّهم من يعملون من أجلها في الوقت الصعب. وفي فعلتهم هذه قمة الرّياء. هذا ما فعلوه في أكثر من أربعين عامًا. ويكرّرونه اليوم بلا حياء.

وقفنا جانبًا نراقب. هناك نازحون يقفون بمرارة أمام أبواب المدارس. لا مكان لهم. مراكز الإيواء التي تسع ألفًا تضم ألفَيْن. لكن، عناصر مجهولة تتدخّل بحنق في اتجاه مَن يديرون تلك المراكز: بدكم تلاقوا حلّ. حلّ شو؟ هل ينام الناس فوق بعضهم؟ تتكرّر التوصيفات السيئة من هؤلاء العناصر -وبعضهم دون الثامنة عشرة- بحقّ الدولة ورؤسائها. “حزب الله” ما زال يظن -حتى اللحظة- على الرغم من أفعاله الشنيعة أنّه الآمر الناهي. نفّذ ما أُمِرَ به كذراعٍ ويرمي كلّ القرف الذي اقترفه على الدولة اللبنانية.

المركبات مشلوحة على جانبَيْ طرقات بيروت لنازحين. أزمة السير كبيرة. امرأة نازحة ترتدي العباءة السوداء وضعت عربة ليمون على مستديرة الطيونة بلا إذن ولا دستور. مَن سمح لها بهذا؟ تجيب بثقة “الحزب”. في سوبرماركت رمال الرفوف فرغت. من وجد شقة إيجار يعتبر اليوم ميسورًا. ووشوشات أنّ “الحزب” أمّن لكبار حاشيته بيوتًا سدّد بنفسه ثمنها. النازحون يتحدّثون عن ذلك بمرارة مكرّرين “هناك دائمًا في حساباتهم ناس بسمن وناس بزيت”.

من دير الأحمر يخبرون “وصل عدد النازحين إلى ثمانية آلاف والبلدة ما عادت تتسع لأي نازح جديد”. الرّاهبات قدمنَ في المناطق المسيحية الإيواء والمأكل والمشرب إلى النازحين عملًا بمقولة يسوع المسيح “كنت مشرّدًا فأويتموني”، مع الحرص إلى التنبّه الشديد كي لا تنتقل القنبلة إلى بلداتهم. بلديات كثيرة وزعت على ناسها “تأكّدوا ممّن تؤجّرون”. البعض اعتبر هذا عنصريةً ومن أجابوهم قالوا وكرّروا: ما متنا ما شفنا مين مات. النّاس، بلا مواربة، باتوا يخافون من بعضهم. وهذا ذنب الحزب الذي جعل الناس، على مدى عقود، يفقدون كل المنطق. فأي منطق كان أن تقف أم أمام جثة ابنها وتقول “فدا السيد”؟

حسابات كثيرة بدأت تنتشر طالبة تبرعات للنازحين. محمد مهدي نصر الله، نجل الراحل حسن نصر الله، نشر على قناته الخاصة مطالبًا المتبرّعين بإرسال المال عبر حسابات فتحها في “Whish” لكن كلّ الحسابات أقفلتها الشركة، فالحزب محظور، وإنْ كان أركانه ما زالوا يظنّون أن الدولة “أضعف من أن تفعل”. يخبرنا ذلك شاب يفترش الأرض، تحت مطر آذار الغدار، قائلًا: “نصرالله أطلّ علينا ليخبرنا عن المهدي المنتظر و”المقاومة” بعد الخامنئي أمّا نحن فما عدنا ننتظر إلا فرجًا من السماء ورحمةً من الأرض”.

تعب الناس كثيرًا. اللبنانيّون جميعًا تعبوا كثيرًا. وكل واحد يده على قلبه خشيةً من الآتي. أصوات الكنائس ترتفع. أصوات الآذان ترتفع. وصوت عميق بدأ يصدح اليوم ما كنّا نسمعه من بيئة الحزب من قبل: “دمّروا “الطايفة” لا إسرائيل”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us