إسرائيل: حرب متعدّدة الجبهات… إنّما بأي ثمن؟!

ترجمة هنا لبنان 7 آذار, 2026

كتبت Marie de La Roche Saint-André لـ”Ici Beyrouth“:

تخوض إسرائيل منذ تشرين الأوّل 2023، وفق ما وصفه وزير ماليّتها بتسلئيل سموتريتش، “الحرب الأطول، والكلفة الأعلى” في تاريخها، موسّعةً جبهاتها في غزّة، ولبنان، وإيران، واليمن، وربّما حتّى في العراق، وتستند إلى قوّة اقتصادها لتمويل المجهود الحربيّ. غير أنّ اتّساع رقعة النّزاع واستمراره يضع صلابة ماليّتها أمام امتحان عسير.

ضاعفت إسرائيل إنفاقها العسكريّ، وفق بيانات معهد ستوكهولم الدوليّ لأبحاث السّلام، بين عاميْ 2023 و2024، إذ ارتفع من 27.5 مليار دولار إلى 46.5 مليار دولار. وأفاد المصرف المركزيّ الإسرائيليّ بأنَّ البلاد أنفقت نحو 46 مليار دولار كتكلفة مباشرة للحرب ما بين 7 تشرين الأوّل 2023 ونهاية عام 2024. وفي آذار 2025، توقّع المصرف أيضًا إنفاق نحو 24 مليار دولار إضافيّة في عام 2025.

من جهتها، قدّرت صحيفة “Times of Israel” كلفة عاميْن من الحرب ضدّ “حماس” في غزّة، بنحو 62 مليار دولار، صُرف نحو 51 مليار دولار منها على الإنفاق الدفاعيّ، والباقي على النّفقات المدنيّة.

وفي المقابل، أعلن سموتريتش في الأوّل من آذار بأنّ الحرب الجارية ضدّ إيران كلّفت إسرائيل حتّى الآن نحو 2.9 مليار دولار، بالإضافة إلى 36.1 مليار دولار خُصّصت لوزارة الدّفاع الإسرائيليّة في مشروع موازنة عام 2026. كما شدّد على أنّ العجز في الموازنة الإسرائيليّة سيتجاوز نسبة 3.9% من النّاتج المحليّ الإجماليّ، المتوقّعة في مشروع الموازنة بحدّ ذاته.

مع ذلك، تبقى هذه الأرقام أقرب إلى مؤشّرات عامة متعلّقة بحجم الاستثمار الماليّ الإسرائيليّ في الحرب، إذ من الصّعب جدًّا الحصول على حصيلة الإنفاق الإسرائيليّ بشكل أدقّ، وأكثر تفصيلًا. وتؤكّد لور فوشيه، الباحثة في “مؤسّسة البحث الاستراتيجيّ”، في حديثها إلى موقع “Ici Beyrouth”، أنّه “من الصّعب للغاية الحصول على تقديرات دقيقة، لأنّ الرّقابة المفروضة على الحرب مع إيران أشدّ من تلك المفروضة على الحرب مع غزّة، لأنّها قد تكشف مؤشّرات بالغة الحساسية، كحجم مخزون الذخيرة المتوافرة لدى إسرائيل، وما إذا كانت قادرة على خوض الحرب على المدى الطّويل”.

تكاليف غير مؤكّدة

وفق مسؤول إسرائيليّ سابق رفيع في وزارة الدّفاع، بلغت كلفة الحرب الّتي اندلعت في حزيران بين إيران وإسرائيل، واستمرّت اثنيْ عشر يومًا، قرابة 725 مليون دولار يوميًّا، من النّفقات العسكريّة المباشرة وحدها. ويُقدَّر أنّ كلفة الغارات اليوميّة على إيران باتت أعلى بالنسبة إلى إسرائيل، نظرًا إلى تصاعد حدّة القصف منذ السّبت الماضي.

ويُضاف إلى هذا تكاليف يصعب في الوقت الحاضر قياسها بشكل دقيق، كخسائر الإيرادات الضريبيّة النّاتجة عن تراجع نشاط الشّركات، أو التّبادل التجاريّ، أو السّياحة، على سبيل المثال. ووفق وزارة الماليّة الإسرائيليّة، قد تتجاوز الخسائر الاقتصاديّة في الحرب الحاليّة مع إيران 2.9 مليار دولار أسبوعيًّا.

وترتبط هذه التّقديرات بمستوى القيود “الأحمر” الّذي فرضته قيادة الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة، الّذي يطال خصوصًا التنقّل إلى أماكن العمل. مع ذلك، تأمل وزارة الماليّة الإسرائيليّة تخفيف هذه الإجراءات إلى “المستوى البرتقاليّ”، ما قد يؤدّي إلى خفض الخسائر الاقتصاديّة إلى النّصف تقريبًا، وفق التّقديرات.

كما يتعيّن الأخذ بعين الاعتبار كلْفة الأضرار الّتي لحقت بالبنية التحتيّة المدنيّة، والعسكريّة. ففي الأوّل من آذار، أكّد مدير إدارة الضّرائب العقاريّة في إسرائيل، أمير دهان، تقديم ألف طلب تعويض في غضون السّاعات الأربع والعشرين الأولى من النّزاع الحاليّ مع إيران.

وأفاد أيضًا بأنّ 350 شخصًا نُقلوا إلى غرف فندقيّة بسبب الدّمار. وقد أبرمت إسرائيل اتّفاقيّات مع فنادق لتأمين 15 ألف غرفة. وتُعوَّض الأضرار المباشرة، وفق وكالة الأنباء الأميركيّة “Bloomberg”، من صندوق مموّل من ضرائب الأملاك، يملك حاليًا فائضًا يقارب 3,2 مليارات دولار.

اقتصاد قادر على الصّمود

في آذار 2025، انتقد محافظ المصرف المركزيّ الإسرائيليّ أمير يارون موازنة عام 2025، معتبرًا أنَّها لن تسمح بخفض الدَّيْن بالقدر الكافي، لتعويض الزّيادة الكبيرة في الإنفاق الّتي تسبّبها الحرب. ففي مواجهة العجز في الموازنة، الّذي بلغ نحو 7% من النّاتج المحليّ الإجماليّ الإسرائيليّ في عام 2024، تضمّنت الموازنة زيادات كبيرة في الضّرائب، بشكل خاصّ.

وبحسب يارون: “لا تضمن هذه الإجراءات خفضًا دائمًا في نسبة الدَّيْن إلى النّاتج المحليّ الإجماليّ، إذ إنّ بعضها مؤقّت، ومن المتوقّع أن ترتفع نفقات الدولة الهيكليّة الأخرى”.

غير أنّ هذه المخاوف لا تبدو قابلةً للتحقّق على أرض الواقع. توضح لور فوشيه قائلةً: “من اللّافت جدًّا أنّ النموّ الاقتصاديّ في إسرائيل يُظهر قدرةً كبيرةً على الصّمود أمام الأزمات”، مشيرةً إلى “تراجع الشّيكل بعد تشرين الأوّل 2023، لكنّه سرعان ما استعاد قيمته. وتؤكّد المؤشّرات مرونة الاقتصاد الإسرائيليّ الاستثنائيّة”.

ففي الواقع، بلغ العجز في الموازنة الإسرائيليّة 4.7% من النّاتج المحليّ الإجماليّ في عام 2025، وهو مستوى أدنى من توقّعات الحكومة. كما سجّل الاقتصاد الإسرائيليّ نموًّا بنسبة 3.1% في عام 2025. كذلك، وعلى الرغم من أنّ وكالة التّصنيف الائتمانيّ “Moody’s” خفّضت تصنيف إسرائيل عام 2024، غير أنّها عدّلت النّظرة المستقبليّة من “سلبيّة” إلى “مستقرّة” في الثّلاثين من كانون الثّاني 2026. مع ذلك، قد يُعاد النّظر في هذه النّظرة مُجدّدًا بسبب الحرب مع إيران.

علاوةً على ذلك، ارتفعت إيرادات الدولة الإسرائيليّة بنسبة 13.8%، إذ انتقلت من نحو 132 مليار دولار في عام 2024 إلى 178 مليار دولار في عام 2025. ويعود هذا الارتفاع إلى زيادة تفوق 10% في الإيرادات الضريبيّة نتيجة زيادات ضريبيّة مُتعدّدة. وتسهم هذه الإيرادات في دعم المجهود الحربيّ الإسرائيليّ، وتترافق مع عمليّات جمع أموال مختلفة. فبين السّابع من تشرين الأوّل 2023، ونهاية عام 2024، جمعت إسرائيل نحو 98 مليار دولار، منها 74 مليارًا محليًّا، و22.6 مليارًا على الصّعيد الدوليّ.

بالإضافة إلى ذلك، وبحسب سموتريتش، أتاح انخفاض نسبة الدَّيْن إلى النّاتج المحليّ الإجماليّ في البلاد، قبل اندلاع الحرب، قدرًا من المرونة، لا سيّما في تمويل دعم السكّان النّازحين، والشّركات، وقوّات الاحتياط. وبحسب الاتّحاد الدوليّ للصحافيّين الاستقصائيّين، عمدت ولايات أميركيّة وبلديّات إلى شراء ما يزيد عن 1.7 مليار دولار من السّندات الإسرائيليّة، بين بداية الحرب في غزّة وتمّوز 2024.

دعم أميركيّ ضروريّ

يبقى الدّعم الأميركيّ عنصرًا أساسيًّا بالنسبة إلى إسرائيل. فبموجب مذكّرة تفاهم تمتدّ لعشر سنوات، وتنتهي عام 2028، تقدّم الولايات المتّحدة لإسرائيل نحو 3.8 مليارات دولار سنويًّا كمساعدات عسكريّة. وقد استُكملت هذه المساعدات منذ اندلاع الحرب بحُزم طارئة إضافيّة. فبين السّابع من تشرين الأوّل 2023، ونهاية عام 2025، قدّمت واشنطن ما لا يقلّ عن 21.7 مليار دولار من المساعدات العسكريّة إلى إسرائيل، من دون احتساب نحو عشرة مليارات إضافيّة من عقود بيع الأسلحة.

غير أنّه، ومع انخراط الولايات المتّحدة المباشر في النّزاع، قد يتراجع الدّعم الأميركيّ إلى تل أبيب. وهو واقع يتقاطع مع أهداف رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الّذي صرّح في مقابلة مع “The Economist”، نُشرت في التّاسع من كانون الثّاني، بأنّه يرغب في الاستغناء عن المساعدات العسكريّة الأميركيّة في غضون عشر سنوات.

وترى فوشيه في الأمر “سيفًا ذا حدَّيْن؛ إذ تمثّل المساعدة الأميركيّة نحو 15% من ميزانيّة الدّفاع الإسرائيليّة، لكنّها تُستثمر أساسًا في معدّات أميركيّة”. وتضيف: “في المقابل، قد يكون الاستثمار المباشر في إسرائيل لدعم اقتصاد الدفاع ممكنًا من دون المساعدة الأميركيّة، وفق اقتصاديّين إسرائيليّين، لا سيّما أنّ صادرات الأسلحة الإسرائيليّة شهدت ارتفاعًا كبيرًا في العاميْن الماضييْن”.

وبالفعل، ارتفعت صادرات الدّفاع الإسرائيليّة من 12.5 مليار دولار في عام 2022 إلى 14.7 مليار دولار في عام 2024. ومن المتوقّع أن يستمرّ هذا النّمو في السّنوات المقبلة. غير أنّ ميزانيّة الدّفاع الإسرائيليّة مرشّحة هي الأخرى للارتفاع في الأعوام المقبلة، ما قد يشكّل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد الإسرائيليّ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us