القضاء يطرق باب “حزب الله”


خاص 8 آذار, 2026

من المبكر الجزم بأنّ لبنان دخل فعلاً مرحلة مواجهة مفتوحة بين الدولة و”الحزب”، إلا أنّ المؤكد أنّ الإجراءات القضائية الأخيرة تكشف عن بداية تحوّل في مقاربة المؤسسات الرسمية لملف السلاح غير الشرعي، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد طرح السؤال القديم بصيغة أكثر إلحاحاً: من يحتكر قرار الحرب والسلم في لبنان؟


كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:

تُشكّل الإجراءات القضائية والأمنية التي يشهدها لبنان في الأيام الأخيرة، تحولاً لافتاً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، لا سيما في ما يتعلق بعناصر “حزب الله” الذين يحملون السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية. فالشروع في ملاحقة وتوقيف أشخاص يشتبه بانتمائهم للحزب أو ارتباطهم بنشاطاته العسكرية على الأراضي اللبنانية لا يُقرأ كإجراء أمني عابر، بل هو مؤشر لبداية مرحلة سياسية وقانونية مختلفة في العلاقة بين الدولة وهذا التنظيم المسلّح الذي شكّل لعقود قوة أمر واقع داخل المعادلة اللبنانية.

هذا التطور يأتي كترجمة سريعة لقرار مجلس الوزراء الذي قضى بحظر أي نشاط عسكري أو أمني لـ “حزب الله” داخل لبنان، وتكليف الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية تطبيق هذا القرار بشكل فوري. وفور صدور هذا القرار “التاريخي”، بدأت الأجهزة المختصة تنفيذ سلسلة من الإجراءات الميدانية، تمثلت في عمليات دهم وتوقيف أشخاصٍ ضبطت بحوزتهم أسلحة فردية ورشاشات، إضافة إلى التحقيق مع مشتبه في ضلوعهم بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل.

تمثّل الاستنابات القضائية التي صدرت عن القضاء اللبناني للأجهزة الأمنية بهدف تعقب وتوقيف مطلقي الصواريخ على إسرائيل، تحوّلاً مهماً في النظرة الرسمية للحزب، وفق تعبير مصدر قانوني بازر. حيث أكد لـ “هنا لبنان” أنّ هذه الخطوة “تعني عملياً أنّ أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة بات يُصنّف كفعل مخالف للقانون، بصرف النظر عن الجهة التي تقف خلفه”.

ويشدد المصدر أنّ أهمية هذه الاستنابات القضائية “لا تكمن فقط في مضمونها، بل بالرسالة التي تحملها، إذ تعكس انتقال الدولة من مرحلة التغاضي أو الاحتواء إلى مرحلة الملاحقة القانونية المباشرة”. ويقول: “القضاء الذي كان لسنوات طوال يتعرض لضغوط سياسية وأمنية من الحزب نفسه، تَحُدّ من قدرته على ملاحقة عناصره خصوصاً في جرائم الاغتيالات السياسية، وعدم تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري ورفاقه، بدأ اليوم يتعامل مع الملف من زاوية قانونية بحتة، تستند إلى مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة”.

ويرى مراقبون أنّ هذا التحول إذا استمر “سيشكل بداية مسار طويل لإعادة رسم حدود العلاقة بين الدولة اللبنانية و”حزب الله”، وهي علاقة لطالما اتّسمت بالتعقيد والتداخل بين السياسي والأمني”. ويشير هؤلاء إلى أنه “منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، احتفظ الحزب بسلاحه تحت عنوان “المقاومة”، مستفيداً من توازنات داخلية وإقليمية، لا سيما مرحلة الهيمنة السورية على قرار الدولة في لبنان، حالت دون قدرة المؤسسات الدستورية على فرض سلطتها الكاملة”.

فالتطورات الأخيرة توحي بأنّ هذه المعادلة بدأت تتغير، ولو تدريجياً. فالتوقيفات التي طالت أشخاصاً يشتبه في ارتباطهم بالحزب، والتحقيقات التي تُجرى بشأن عمليات إطلاق الصواريخ، تعني أنّ القضاء اللبناني بات يتعامل مع هذه الأفعال كـ”جرائم مسّت أمن الدولة وجرّت لبنان إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل”.

في موازاة هذه المستجدات، برز موقف لافت لوزير العدل اللبناني عادل نصّار الذي لوّح بإمكانية ملاحقة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم قضائياً في حال ثبوت مسؤوليته عن أي نشاط عسكري مخالف لقرارات الدولة. ورغم أنّ هذا الكلام يحمل طابعاً سياسياً في جانب منه، إلا أنّ خبراء القانون يؤكدون أنّ هذا التلويح “يستند إلى أساس قانوني، إذ أنه فور توفر أدلة على أنّ قيادة الحزب هي التي اتخذت قراراً بجرّ لبنان إلى الحرب مع إسرائيل، فهذه تشكّل جرائم يعاقب عليها القانون اللبناني، وتستدعي ملاحقة قيادة الحزب وعلى رأسها نعيم قاسم، الذي دافع بقوة في خطابه الأخير على قرار فتح “جبهة إسناد” جديدة مع إيران”.

فالقانون، وفق تقدير خبراء القانون “لا يميز بين مواطن وآخر في حال ارتكاب جرم يهدد الأمن الوطني، كما أنّ موقع المسؤولية السياسية أو الحزبية لا يمنح حصانة تلقائية أمام القضاء، ما لم تكن هناك حماية دستورية محددة، وهو أمر لا ينطبق على قيادات الأحزاب”.

يدرك كثيرون أنّ ترجمة هذه المواقف إلى خطوات قضائية فعلية ليست مسألة سهلة، نظراً لحساسية التوازنات الداخلية وتعقيدات المشهد اللبناني، حيث لا يزال “حزب الله” يمتلك نفوذاً سياسياً وشعبياً وأمنياً واسعاً، غير أنّ الرسالة التي تحاول الدولة إيصالها تبدو واضحة، ومفادها أنّ “السلاح خارج الشرعية لم يعد مقبولاً، وأي نشاط عسكري منفرد يمكن أن يضع لبنان على شفير حرب لن يُتعامل معه بعد الآن كأمر واقع”.

من المبكر الجزم بأنّ لبنان دخل فعلاً مرحلة مواجهة مفتوحة بين الدولة و”حزب الله”، إلا أنّ المؤكد أنّ الإجراءات القضائية الأخيرة تكشف عن بداية تحوّل في مقاربة المؤسسات الرسمية لملف السلاح غير الشرعي، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد طرح السؤال القديم بصيغة أكثر إلحاحاً: من يحتكر قر ار الحرب والسلم في لبنان؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us