سلاح الحزب وسلاح الشرعية: خطّان لا يلتقيان!


خاص 14 آذار, 2026

لا يمكن الحديث عن سيادة حقيقيّة للبنان من دون معالجة هذه المسألة بجدّية. فالدولة السيدة هي التي تملك وحدها قرار الحرب والسلم، وتُدير علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية عبر مؤسّساتها الشرعية. أمّا عندما يرتبط جزء من القوة العسكرية الداخلية بمحاور إقليمية، فإنّ ذلك يضع البلاد في قلب صراعات لا تملك قرارها الكامل فيها.

كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:

يُشكّل موضوع السلاح في لبنان أحد أكثر القضايا تعقيدًا وإثارةً للجدل في الحياة السياسية اللبنانية منذ انتهاء الحرب؛ فبينما سعت الدولة اللبنانية بعد إقرار اتفاق الطائف إلى إعادة بناء مؤسّساتها على قاعدة حصر السلاح بيد الشرعية، بقي سلاح حزب الله خارج هذا الإطار تحت عناوين متعددة، أبرزها “المقاومة”. غير أن استمرار هذا الواقع طرح إشكاليةً عميقةً تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل يمكن أن تقوم دولة سيدة كاملة السيادة في ظلّ وجود قوة عسكرية موازية للجيش؟

من حيث المبدأ، تقوم الدولة الحديثة على احتكار استخدام القوة المنظمة ضمن حدودها الجغرافية. هذا الاحتكار ليس مجرّد تفصيل تقني، بل هو جوهر مفهوم السيادة. فالدولة التي لا تملك القرار الحصري في الحرب والسلم، ولا تحتكر السلاح، تبقى دولةً منقوصة السيادة، حتّى لو امتلكت مؤسّسات دستورية وانتخابات وبرلمانًا. وفي الحالة اللبنانية، يبرز التناقض واضحًا بين سلاح الشرعية الذي يمثله الجيش اللبناني، وسلاح حزب الله الذي يعمل خارج منظومة الدولة ويحتفظ بقرار استخدام القوة بشكل مستقل.

عندما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية، كان الهدف الأساسي لاتفاق “الطائف” إعادة بناء الدولة وتفكيك الميليشيات المسلحة. وقد نجحت الدولة آنذاك في حلّ معظم التنظيمات العسكرية وتسليم أسلحتها إلى الجيش، لكنّ حزب الله استُثني من هذه العملية بحجّة استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. ومع انسحاب إسرائيل عام 2000، بدأت تتوسّع الأسئلة حول مبرّر استمرار السلاح خارج الدولة، إذ كان من المفترض أن يشكّل ذلك الانسحاب محطةً لإعادة تنظيم المشهد الأمني والعسكري في لبنان.

لكن بدلًا من أن ينتهي الجدل، دخل لبنان مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا؛ فقد تعزّزت قدرات حزب الله العسكرية بشكلٍ ملحوظٍ، وتوسّعت أدواره الإقليمية، خصوصًا بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011. ومع مرور الوقت، لم يعد سلاح الحزب مرتبطًا فقط بمواجهة إسرائيل، بل أصبح جزءًا من توازنات إقليمية أوسع تتجاوز حدود الدولة اللبنانية. وهذا التطوّر عمّق الفجوة بين مفهوم الدولة السيادية وبين واقع وجود قوة عسكرية موازية لها.

في المقابل، يقف الجيش اللبناني بصفته المؤسّسة العسكرية الشرعية التي يفترض أن تمثّل جميع اللبنانيين. وعلى الرغم من محدودية إمكاناته مقارنةً بالقوى الإقليمية، فقد أثبت الجيش في أكثر من محطةٍ قدرته على حماية الاستقرار الداخلي ومكافحة الإرهاب، كما حدث في معاركه ضدّ التنظيمات المتطرفة على الحدود الشرقية. غير أن وجود سلاح آخر خارج إطار الدولة يُضعف بطبيعة الحال دور هذه المؤسّسة ويحدّ من قدرتها على أن تكون المرجعية الوحيدة للأمن والدفاع.

إنّ الإشكالية هنا ليست عسكريةً فقط، بل سياسية ودستورية أيضًا؛ فحين يمتلك طرف داخلي قوةً عسكريةً تفوق أو توازي قوة الدولة، يصبح قادرًا على التأثير في القرار السياسي بوسائل غير ديمقراطية. وهذا ما يجعل التوازن السياسي هشًّا وقابلًا للاختلال في أي لحظة. فالقرار الوطني يجب أن ينبع من المؤسّسات الدستورية، لا من موازين القوى المسلحة.

من هذا المنطلق، فإنّ القول إنّ سلاح حزب الله وسلاح الشرعية خطّان لا يلتقيان ليس مجرّد موقف سياسي، بل توصيف لواقع بنيوي في كيان الدولة اللبنانية. فإمّا أن تكون هناك دولة واحدة بجيش واحد وسلاح واحد، أو أن يستمرّ واقع ازدواجية السلطة الذي يُضعف مفهوم الدولة ويجعلها عاجزةً عن فرض سيادتها الكاملة.

ولا يمكن الحديث عن سيادة حقيقيّة للبنان من دون معالجة هذه المسألة بجدّية. فالدولة السيدة هي التي تملك وحدها قرار الحرب والسلم، وتُدير علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية عبر مؤسساتها الشرعية. أمّا عندما يرتبط جزء من القوة العسكرية الداخلية بمحاور إقليمية، فإنّ ذلك يضع البلاد في قلب صراعات لا تملك قرارها الكامل فيها.

من هنا تبرز الحاجة إلى جرأةٍ في طرح مستقبل السلاح في لبنان، انطلاقًا من مبدأ أساسي وهو أنّ حماية لبنان لا يمكن أن تتحقّق إلّا عبر دولة قوية وجيش قوي يحتكر السلاح. فالسيادة لا تتجزّأ، والدولة لا يمكن أن تكون نصف دولة.

إن تسليم سلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية ليس مجرّد مطلب سياسي لفريق دون آخر، بل هو شرط أساسي لقيام دولة سيدة فعلًا. فمن دون هذا الانتقال تبقى الدولة ضعيفةً أمام الضغوط الداخلية والخارجية، ويبقى القرار الوطني عرضةً للتجاذبات الإقليمية.

في نهاية المطاف، لا يمكن للبنان أن يخرج من أزماته المتراكمة الاقتصادية والسياسية من دون إعادة بناء مفهوم الدولة. وهذه العملية تبدأ من استعادة الدولة لاحتكار السلاح، وتكريس دور الجيش كمؤسّسة جامعة لكل اللبنانيين. عندها فقط يمكن الحديث عن دولة سيدة كاملة السيادة، قادرة على حماية حدودها وإدارة شؤونها بعيدًا عن منطق الدويلات داخل الدولة.

إنّ الطريق إلى هذه الدولة ليس سهلًا، لكنّه يبقى الطريق الوحيد لبناء لبنان مستقر وقادر على النهوض. فالدولة التي تحتكر السلاح هي وحدها القادرة على ضمان الأمن، وصون الديمقراطية، وحماية القرار الوطني. أمّا استمرار ازدواجية السلاح فيُبقي لبنان عالقًا بين مشروع الدولة ومشروع القوة الموازية، وهما مشروعان لا يمكن أن يلتقيا في نظام سياسي واحد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us