“الحزب” جرّد لبنان من سلاحه الوحيد: دولة بلا أوراق على طاولة التسويات

السرديّة التي رُوّجت طويلًا لتبرير سلاح ميليشيا “الحزب” الإيراني، على أنّه ضمانة لحماية جزءٍ من الطائفة الشيعية، تحوّلت في الواقع إلى أحد أبرز أسباب تهجير أبناء هذه البيئة وتشريدهم، وإلى عامل رئيسي في تجريد لبنان من قدرته على حماية مصالحه.
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
لم يعد السؤال المطروح اليوم كيف ستنتهي الحرب الدائرة على أرض لبنان، بل ماذا سيتبقّى من لبنان عندما تنتهي. فالدول تدخل إلى طاولات المفاوضات بما تملك من أوراق قوة، سياسية كانت أم عسكرية. أمّا لبنان فقد بلغ هذه اللحظة التاريخية مع إسرائيل شبه عارٍ من أي ورقة تفاوضية حقيقية، بعدما انتُزع منه قرار الحرب والسلم، وأُحيل عمليًّا إلى ميليشيا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، جنّدت “حزب الله” كذراع متقدمة في صراع إقليمي يتجاوز لبنان وحدوده ومصالحه.
هنا تكمن المعضلة التي قادت لبنان إلى ما هو عليه اليوم. فالدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع إقناع العالم بأنّها صاحبة القرار. والدولة التي لا تتحكّم بحدودها ولا بمسار الحرب على أرضها، لا يمكنها أن تكون شريكًا فعليًّا في أي تسوية إقليمية كبرى.
ما جرى في لبنان خلال السنوات الماضية لم يكن مجرّد أزمة حكم أو خللًا في التوازنات الداخلية، بل مسارًا متدرّجًا لتقويض فكرة الدولة نفسها. إذ جرى تكريس واقع يمتلك فيه “حزب الله” قرار الحرب بمعزلٍ عن الحكومة ومؤسّسات الدولة، فيما يُزجّ لبنان تباعًا في صراعات إقليمية تخدم المشروع الإيراني.
بهذا المعنى، لم يعد لبنان في نظر الكثير من العواصم الفاعلة دولةً مكتملة الأركان، بل ساحة مفتوحة تُديرها حسابات الحرس الثوري الإيراني.
هذا التحوّل يمهّد لفهم المقاربة الدولية المستجدّة لمستقبل لبنان. فالمعادلات التي حكمت الجنوب منذ حرب تموز عام 2006، والتي أفرزت القرار الدولي 1701 كمخرجٍ لوقف مغامرة “حزب الله” المدمّرة، تبدو اليوم وكأنّها تنتمي إلى مرحلة انتهت. فالحرب المُتصاعدة في المنطقة، والتوتّر المتفاقم بين إيران من جهةٍ والولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى، أعادا رسم الأولويّات وفتحا الباب أمام مقاربات مختلفة تمامًا لما بعد الحرب.
في الكواليس الدولية، تتشكّل تدريجيًّا مقاربة جديدة لإدارة صراعات المنطقة، تقوم على ترتيبات تصوغها الولايات المتحدة مباشرة، خارج الأطر التقليدية للأمم المتحدة، ثم تُبلّغ بها الدول المعنية بوصفها وقائع سياسية وأمنية يجب التعامل معها لا التفاوض حولها.
وهنا تتجلّى خطورة الموقع الذي انحدر إليه لبنان. فالدول التي لا تملك قرارها لا تُدعى عادة إلى طاولات صياغة الحلول، بل يُطلب منها لاحقًا التكيّف مع ما تقرّره القوى الفاعلة. وفي مثل هذه الظروف، يتحوّل لبنان من طرفٍ في صناعة التسويات إلى مجرّد متلقٍّ لنتائجها.
الأخطر أن الترتيبات المطروحة لا تبدو محصورةً بوقف العمليات العسكرية فحسب، بل تمتدّ إلى إعادة تنظيم الواقع الأمني والجغرافي على الحدود الجنوبية. فبعض المقاربات المتداولة في الأوساط الدولية تتحدّث عن استنساخ نموذج غزّة لإدارة دول الطوق مع إسرائيل، تشمل مناطق عازلة وترتيبات أمنية خاصّة وربّما صيغًا اقتصادية مختلفة، ما يعني عمليًّا إعادة رسم الخريطة الأمنية للجنوب.
كلّ ذلك يجري فيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزةً عن تقديم البديل الوحيد القادر على حماية سيادتها: احتكار السلاح وفرض سلطة القانون على كامل أراضيها.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر قسوة. فالسرديّة التي رُوّجت طويلًا لتبرير سلاح ميليشيا “حزب الله” الإيراني، على أنّه ضمانة لحماية جزءٍ من الطائفة الشيعية، تحوّلت في الواقع إلى أحد أبرز أسباب تهجير أبناء هذه البيئة وتشريدهم، وإلى عامل رئيسي في تجريد لبنان من قدرته على حماية مصالحه.
فعندما يتم التسليم بأنّ قرار الحرب خارج الدولة، تتحوّل الدولة نفسها إلى كيان هامشي في معادلات المنطقة ومستقبلها.
إنّ أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس الحرب بحدّ ذاتها، بل احتمال أن تنتهي هذه الحرب وقد رُسمت ترتيبات جديدة للمنطقة من دون أن يكون للّبنانيين أي دور في صياغتها. والسبب واضح وبسيط في آنٍ واحدٍ: الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تملك قرارها، والدولة التي لا تملك قرارها لا مكان لها على طاولة التسويات… ولا على طاولة المفاوضات.
مواضيع مماثلة للكاتب:
“زئير الأسد” وحماية لبنان من الفوالق الإيرانية | ما بعد المرشد… هل ينجو لبنان من الارتدادات؟ | “إيقاع ترامب” يرسم خرائط النفوذ في لبنان! |




