هل يمكن أن تتحوّل الذّاكرة الجريحة في لبنان إلى فعل إبداعيّ؟

ترجمة هنا لبنان 19 آذار, 2026

كتب David Sahyoun لـ”Ici Beyrouth”:

لا تقتصر الحرب في لبنان على تدمير الأماكن فحسب، بل تدمّر الزّمن النفسيّ، وتشوّش الحدود بين الماضي والحاضر، وتترك أثرها في الأجيال. يناقش هذا المقال كيفيّة انتقال الصّدمة الجماعيّة وتكرارها، وإمكان تحوّلها. فعلى الرغم من الانقسامات، تشكّل الثّقافة، والكلمة، والإبداع، دائمًا فضاءاتٍ هشّةً، قد تنبثق فيها فكرة مشتركة.
يتحدّث بعض الأطبّاء النفسيّين العاملين في سياقات الحرب عن “زمن الصّدمة” الّذي لا يمتثل للمنطق الخطيّ المعتاد، حيث تعود أحداث ماضية إلى الحاضر بالشّدة الّتي حدثت فيها، وتتداخل القصّة الشخصيّة مع التّاريخ الجماعيّ.
وقد سبق أن انتبه المحلّل النفسيّ س. فيرينتزي إلى هذا في عيادته المتخصّصة بالصّدمة؛ ولاحظ الأخير أنّ بعض المرضى يعيشون ضمن زمنيّة مجزّأة، تبقى فيها لحظات كاملة من تاريخهم كأنّها مجمَّدة، ومنفصلة عن باقي حياتهم النفسيّة.
وفي السّياق اللبنانيّ، يمكن أن تنتقل هذه التّجزئة من جيل إلى آخر. فالطّفل ينشأ متأثّرًا بسرديّات والديْه، وبصمتهم، وبمخاوفهم، فيرث ذاكرةً متكتّلةً ليست ذاكرته بكليّتها، لكنّها تشكّل بطريقة غير واعية علاقته بالعالم.
أصبح موضوع انتقال الصّدمة العابر للأجيال مجالًا مهمًّا في البحث النفسيّ التحليليّ. فقد أظهر مؤلّفون مثل نيكولا أبراهام، وماريّا توروك، كيف يمكن أن تنتقل بعض الأحداث الصّادمة غير المعالَجة على شكل “مخابئ” نفسيّة. ما لم يُرمز إليه، أو يُعالَج، في جيل ما، قد يظهر لدى الجيل التّالي في صورة قلق غير مفسّر، أو سلوكيّات متكرّرة، أو سرديّات ناقصة. وفي بلد تعرّضت فيه أجيال كثيرة للحرب، تتكاثر هذه العمليّات، ليصبح التّاريخ الوطنيّ فضاءً تتقاطع فيه الصّدمات الفرديّة مع الصّدمات الجماعيّة.
لا يمكن اختزال هذه الحالة بمجرّد اعتبارها مرضًا جماعيًّا. إذ يظهر تاريخ لبنان قدرة لافتة لدى اللبنانيّين على التكيّف والتّفاعل؛ فبعد كل كارثة، تخضع المدن لإعادة البناء، وتستأنف الحياة الثقافيّة، وتُنظَّم الرّوابط الاجتماعيّة من جديد. وتولد الحياة مجدّدًا بين كارثتيْن، ما يطرح سؤالًا جوهريًّا في التّحليل النفسيّ: كيف يمكن تصوّر التّعايش بين الصّدمة والإبداع؟
تحدّث المحلّل النفسيّ أندريه غرين عن “عمل السلبيّ” لوصف العمليّات الّتي تضطرّ فيها النّفس إلى التّعامل مع الخسائر، والغيابات، والدّمار. ليس السلبيّ هو الّذي يدمّر فحسب، فقد يصبح قوّة تدفع إلى التحوّل. ولكي يتحقّق هذا التحوّل، يتعيّن وجود فضاء نفسيّ متاح، وعندما تتتابع الأحداث الصّادمة بسرعة كبيرة، قد ينكمش هذا الفضاء.
تكمن هنا واحدة من (التحديات) النفسيّة الكبرى الّتي تواجهها المجتمعات المعرّضة لدورات من العنف: كيف تحافظ على قدرة التّفكير حين يبدو الواقع بحدّ ذاته متزعزعًا؟
يقدّم لنا د. و. وينيكوت رؤية قيّمة، إذ شدّد على أهميّة البيئة في تكوين الذّات. فبيئة موثوقة بما يكفي، تمكّن الطّفل من تطوير شعور بالاستمراريّة في الوجود، بينما قد تتشقّق هذه الاستمراريّة عندما تصبح البيئة غير متوقّعة، أو مهدّدة.
مع ذلك، وحتّى في هذه الظّروف، أشار وينيكوت إلى قدرة الفرد على خلق فضاءات انتقاليّة، ومناطق وسطيّة يمكن تحويل التّجربة فيها إلى لعب، أو ثقافة، أو إبداع. وفي بعض المجتمعات المتأثّرة بالعنف، قد يشكّل الإنتاج الثقافيّ فضاءً انتقاليًّا حقيقيًّا، حيث تتحوّل الموسيقى، والأدب، والسّينما، والفنّ التشكيليّ، إلى وسائط تسمح بتشكيل الخبرات الصّادمة والتّعبير عنها.
يمكن القول إنّ هذه الإنتاجات لا تعالج الصّدمة بالمعنى الحرفيّ، بل تؤمّن فضاءً يمكن الاقتراب فيه من التّجربة الصّادمة، بطريقة آمنة وغير مباشرة. وتكتسب وظيفة التحوّل الرمزيّة هذه أهميّة خاصّة في سياقات تعجز فيها المؤسّسات السياسيّة عن القيام بعمل ذاكرة حقيقيّ. وهكذا، تتحوّل الثّقافة إلى فضاء لمعادلة الصّدمات، نفسيًّا ورمزيًّا.
مع ذلك، تبقى هذه العمليّة هشّة، إذ يمكن أن يوقف تكرار الكوارث هذا العمل في أي لحظة.
في بعض الظّروف، قد تؤدّي الكلمة الجماعيّة دورًا حاسمًا. فبعد النّزاعات المسلّحة، تحاول لجان الحقيقة في بعض الدول خلق فضاء لتداول الرّوايات. ليست هذه الآليّات بمثاليّة، غير أنّها تعبّر عن حدس مهمّ: فالصّدمات الجماعيّة بحاجة إلى أماكن يمكن سردها فيها.
في لبنان، لم يُبتكر بعد هذا الفضاء. فقصص الحرب الأهليّة غالبًا ما تبقى محصورةً في ذاكرات جماعيّة مغلقة، وتنعكس التّجزئة السياسيّة في تجزئة الذّكريات.
تُنشئ هذه الحالة نوعًا من التّعليق الرمزيّ؛ فالأحداث الماضية لا تختفي، كما لا تندمج بالكامل في سرد مشترك.
وقد تشكّل هذه واحدة من أبرز التحديات النفسيّة لناحية المستقبل: تحويل الذّاكرة المجزّأة إلى فضاء للفكر المشترك. ففي لبنان، يبرز تكرار الحروب توتّرًا عميقًا بين الذّاكرة والنّسيان، وبين التّكرار والتحوّل، إذ يبدو كل حدث وكأنّه يفتح الجروح القديمة ويترك آثارًا جديدة في الوقت عينه.
قد تعيد مقاربة وسطيّة توجيه النّظر إلى المسألة؛ فبدل السّعي إلى الخروج النهائيّ من الصّدمة، يتعيّن التّفكير في كيفيّة التّعايش معها، من دون أن تقضيَ على المستقبل. إذ لا يمكن اختزال الصّدمة بشكل كامل، فهي تترك دائمًا جزءًا يستحيل تمثيله، ومساحةً يتهرّب منها المعنى. وربّما يكون هذا بالضّبط المكان الذي يمكن للفكر أن يواصل فيه عمله، ليس لسدّ الفراغ، بل لتعلّم عدم الضّياع فيه.
وفي بلدٍ تعود فيه محن من التّاريخ لتطرق باب الحاضر من دون توقّف، يمكن التّساول: هل يكمن السّؤال الحقيقيّ في مجرّد تكرار الكوارث، أم في إمكان تحويل هذا التّكرار، الهشّ والمهدّد دائمًا، إلى تجربة قابلة للتّفكير والإبداع؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us