بين الصراع في الشرق الأوسط والضرائب المحلية… اللبناني يدفع الثمن الباهظ للبنزين

في بلد يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية ونقدية حادة، لم يمرّ ارتفاع أسعار النفط عالمياً مرور الكرام. بل انعكس مباشرة على أسعار البنزين، ومن ثم على كلفة النقل والإنتاج، وصولًا إلى أسعار السلع والخدمات. وهكذا، يجد المواطن نفسه أمام سلسلة متواصلة من الضغوط، تبدأ من محطة الوقود ولا تنتهي عند فاتورة معيشته اليومية
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
“الـ10 دولارات لم تعد تكفي… أملأ خزان السيارة، ولا يرتفع إلا كمية بسيطة”
بهذه العبارة البسيطة، يختصر أحد المواطنين اللبنانيين واقعًا يوميًا بات يعيشه عند كل محطة وقود، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار البنزين. لم يعد ملء خزان السيارة كما كان في السابق، بل تحوّل إلى عبء إضافي يُرهق القدرة الشرائية ويضغط على تفاصيل الحياة اليومية.
هذا المشهد ليس مجرد حالة فردية، بل يعكس أزمة أوسع ترتبط بتطورات الأسواق العالمية. فأسعار النفط تواصل ارتفاعها، مع تجاوز سعر برميل الخام برنت حاجز الـ100 دولار، مدفوعة بتصاعد التوترات والصراعات في الشرق الأوسط، ما يعزز المخاوف بشأن الإمدادات العالمية. وكما هي الحال في كل موجة ارتفاع عالمية، تنتقل التداعيات سريعًا إلى لبنان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المحروقات.
في بلد يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية ونقدية حادة، لا يمرّ هذا الارتفاع مرور الكرام. بل ينعكس مباشرة على أسعار البنزين، ومن ثم على كلفة النقل والإنتاج، وصولًا إلى أسعار السلع والخدمات. وهكذا، يجد المواطن نفسه أمام سلسلة متواصلة من الضغوط، تبدأ من محطة الوقود ولا تنتهي عند فاتورة معيشته اليومية.
وبحسب نقيب أصحاب محطات المحروقات، د. جورج البراكس، لموقع “هنا لبنان”، فإنّ أسعار المحروقات في لبنان تُحتسب استنادًا إلى المعدل الوسطي للأسعار العالمية خلال الفترة السابقة، ما يعني أنّ أي ارتفاع عالمي لا ينعكس فورًا، لكنه يظهر تدريجيًا في جدول الأسعار المحلي. ويشير إلى أنّ المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الارتفاعات، في ظل استمرار صعود أسعار النفط عالميًا.
لكن مسار الأسعار يبقى مفتوحًا على احتمالات عدة، إذ يرتبط بشكل مباشر بتطورات الصراع في المنطقة، ولا سيما التوتر القائم بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. فكلما ارتفعت الأسعار عالميًا نتيجة التصعيد، ينعكس ذلك تلقائيًا على السوق اللبنانية التي تعتمد بشكل كامل على الاستيراد.
ارتفع سعر صفيحة البنزين (20 ليترًا) منذ بداية العام من 15 دولارًا إلى 25 دولارًا، أي بزيادة قدرها 10 دولارات، نتيجة رسوم إضافية فرضتها الحكومة وتأثرًا بالعوامل الخارجية.
هذا الارتفاع انعكس بشكل مباشر على كلفة تعبئة السيارات، فبعدما كانت تعبئة ثلاث تنكات تكلف نحو 45 دولارًا، أصبحت اليوم تقارب 75 دولارًا، ما يضاعف العبء المالي على المواطنين ويزيد الضغوط المعيشية اليومية.
في المقابل، يلفت “البراكس” إلى أنّ أي تهدئة، سواء عبر وقف إطلاق النار أو الدخول في مفاوضات أو التوصل إلى تسوية، من شأنها أن تدفع أسعار النفط إلى التراجع مجددًا، وهو ما سينعكس حتمًا انخفاضًا في أسعار المحروقات في لبنان.
وعن موضوع انقطاع المحروقات، أكد “البراكس” أنّ لبنان يعتمد في استيراد الوقود على إيطاليا واليونان وتركيا، ولا يستورد مباشرة من الخليج العربي، ما يعني أننا لسنا في قلب ساحات الصراع. ومع ذلك، فإنّ هذه المصافي في الدول المستوردة تعتمد هي نفسها على النفط الخام من الخليج، وبالتالي قد تتأثر بتقلبات الإمدادات.
وأضاف “البراكس” أنّ المرافئ اللبنانية ما زالت مفتوحة وتعمل بشكل طبيعي، والإمدادات تصل تدريجيًا، ما يضمن استمرار تغذية السوق. كما قامت المؤسسات والشركات بمضاعفة استيرادها من المحروقات وخزنت كميات كافية، فيما رفعت محطات البنزين احتياطاتها للتخزين. وعلى صعيد المواطنين، هناك تهافت كبير لتعبئة السيارات بالكامل خوفًا من أي نقص محتمل. وبحسب المعلومات، لا يوجد حالياً أي توجه لدى الحكومة للتراجع عن الضريبة الإضافية على البنزين البالغة 4 دولارات، رغم الضغط الشعبي وارتفاع الأسعار. فالحكومة تنتظر البت في الطعن المقدم أمام مجلس شورى الدولة من قبل بعض النقابات والجهات المعنية، وهو ما يعني أنّ القرار النهائي بشأن الإبقاء على الضريبة أو تعديلها لن يُتخذ إلا بعد انتهاء الإجراءات القضائية. وبذلك، يظل المواطن اللبناني أمام واقع جديد يتطلب تكاليف إضافية على وقود السيارات، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسر في ظل الغلاء المتواصل.




