أهالي بيروت يصرخون: “اللي بدّو يحارب يروح عالجبهات… ما تتخبّوا بيناتنا”!

هذه ليست مجرد عبارة انفعالية، بل موقف شعبي واضح يتصاعد يوماً بعد يوم في بيروت. الناس تقول بوضوح: إذا كان هناك من يريد أن يخوض حرباً، فليخضها بعيداً عن الأحياء السكنية، بعيداً عن المدارس والمستشفيات والمنازل، بعيداً عن الأطفال الذين يرتجفون كلما سمعوا صوت طائرة أو انفجار
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في كل مرة تهتز فيها العاصمة على وقع استهداف إسرائيلي جديد، لا يسقط الخوف فقط فوق المباني والأحياء السكنية، بل فوق صدور الناس أيضاً. أهالي بيروت، الذين يعيشون في أحيائها المكتظة وشوارعها الضيقة ومنازلها المتلاصقة، باتوا يشعرون أنهم رهائن في مدينتهم، بعدما تحوّلت بعض المناطق السكنية إلى أماكن اختباء لعناصر ومسؤولين من حزب الله، في قلب أحياء يُفترض أن تكون ملاذاً للعائلات، لا ساحات حرب.
مشهد الانفجارات، وصوت الطائرات، والذعر الذي يسبق سيارات الإسعاف في الأزقة، لم يعد حدثاً عابراً في ذاكرة البيارتة، بل صار كابوساً يومياً مفتوحاً على احتمالات الموت في أي لحظة. أمّ تخاف على أطفالها وهم نائمون، أب يراقب السماء بدل أن يراقب مستقبل أولاده، وشباب لم يعودوا يعرفون إن كانت عودتهم إلى منازلهم مساءً مضمونة أم مؤجلة إلى إشعار آخر.
الخوف يسكن البيوت قبل الشوارع
أهالي بيروت لا يعيشون فقط تحت تهديد الغارات، بل تحت وطأة سؤال يومي مرعب: هل نحن الضحية التالية؟ فعندما يستهدف قيادي أو مسؤول أو عنصر من حزب الله يختبئ داخل حي سكني، لا يكون المستهدف وحده في مرمى النار، بل يصبح كل من حوله مشروع ضحية: الجيران، الأطفال، المارة، أصحاب المحال، والعائلات التي لا علاقة لها بأي صراع عسكري. هؤلاء لم يختاروا أن يكونوا دروعاً بشرية، ولم يمنحوا أحداً حق تحويل منازلهم إلى غطاء أمني أو نقاط تموضع أو مخابئ لقيادات مطلوبة.
هنا، لم يعد الخوف سياسياً أو نظرياً، بل صار خوفاً ملموساً، له صوت الزجاج المتكسر، ورائحة الغبار، ووجوه مذعورة تهرب ليلاً من بيوتها.
صرخة البيارتة: “بدنا نعيش”
في المقاهي، وعلى الشرفات، وداخل سيارات الأجرة، وفي أحاديث الجيران، تتكرر الجملة نفسها بمرارة وغضب: “اللي بدّو يحارب، يروح عالجبهات… ما يتخبّى ببيوتنا ومناطقنا”.
هذه ليست مجرد عبارة انفعالية، بل موقف شعبي واضح يتصاعد يوماً بعد يوم في بيروت. الناس تقول بوضوح: إذا كان هناك من يريد أن يخوض حرباً، فليخضها بعيداً عن الأحياء السكنية، بعيداً عن المدارس والمستشفيات والمنازل، بعيداً عن الأطفال الذين يرتجفون كلما سمعوا صوت طائرة أو انفجار.
أهالي العاصمة يرفضون أن تتحول بيروت إلى صندوق بريد للرسائل العسكرية، أو إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية تُدفع كلفتها من دم المدنيين وأعصابهم وأرزاقهم.
بيروت ليست ثكنة عسكرية
بيروت مدينة للحياة، لا مدينة للاختباء المسلح. هي مدينة تعب أهلها من الحروب، ومن إعادة ترميم الزجاج، ومن دفن الإحساس بالأمان، ومن العيش على حافة الكارثة.
من حق أهلها أن يطالبوا بأن تبقى أحياؤهم سكنية لا أمنية، ومن حقهم أن يسألوا: من أعطى أي جهة الحق في أن تختبئ بين المدنيين، ثم تتركهم وحدهم يواجهون مصيرهم تحت النار؟
إنّ تحويل الأحياء السكنية إلى بيئة حاضنة قسرية لعناصر أو مسؤولين عسكريين لا يعرّض السكان للخطر فحسب، بل ينسف ما تبقّى من شعورهم بأن بيوتهم ما زالت بيوتاً، لا أهدافاً مؤجلة.
رسالة أهالي بيروت لم تعد هامسة، بل صارت صرخة مدوّية: نريد أن نعيش. لا نريد أن نكون دروعاً بشرية، ولا نريد أن تتحول أحياؤنا إلى أهداف بسبب وجود عناصر أو مسؤولين من حزب الله في مناطقنا.
أما العبارة التي تختصر وجع المدينة وغضبها، فهي أبسط وأقسى من كل البيانات: “اللي بدّو يحارب يروح عالجبهات… ما تتخبّوا بيناتنا”.
علي حمادة لـ”هنا لبنان”: الخطر الحقيقي في إخفاء القيادات بين المدنيين
وفي هذا الإطار، يقول المحلل السياسي علي حمادة لـ”هنا لبنان” إنّ المشكلة الأساسية اليوم في بيروت ليست في التنوع الطائفي، ولا في الاختلاط الطبيعي بين اللبنانيين داخل العاصمة، “فهذا أمر بديهي في مدينة هي عاصمة كل لبنان”. لكنه يشدد على أنّ الخطر الحقيقي يكمن في أمر مختلف تماماً، يتمثل في “إصرار حزب الله على التغلغل داخل الأحياء السكنية، وفي تعمّده إخفاء قيادييه وكوادره وعناصره الأمنية والعسكرية والمالية بين المدنيين”.
ويتابع حمادة: “هذا السلوك لم يعد مجرد تفصيل تنظيمي داخلي، بل تحوّل إلى تهديد مباشر لأمن العاصمة ولسلامة سكانها. حين يختبئ مسؤولون وعناصر تابعون لحزب الله داخل أحياء مكتظة، وحين تُستخدم مبانٍ مدنية وشوارع سكنية كممرات أو نقاط تمركز أو غطاء لتحركات مرتبطة بالحزب، فإنّ المدنيين يتحولون حكماً إلى دروع بشرية، شاءوا أم أبوا”.
ويعتبر أنّ “الإدانة السياسية والأخلاقية الكبرى تكمن في أنّ حزب الله لا يعرّض فقط عناصره للخطر، بل يضع فوق رؤوس الناس أهدافاً محتملة، ويجرّ سكان الأحياء إلى دائرة الاستهداف من دون أي اعتبار لحياتهم أو أمنهم أو حقهم الطبيعي في العيش بعيداً من الحسابات العسكرية والأمنية”.
استهدافات فجر الأربعاء… والخطر الذي يسكن الأحياء
ويشير حمادة إلى أنّ ما جرى فجر الأربعاء، مع استهداف أربعة أحياء في بيروت، “يعكس خطورة هذا الواقع”. ويوضح أنّ “هذه الضربات لم تقع في فراغ، بل في مناطق مدنية مأهولة، ما يعني أنّ أي وجود لعناصر أو مسؤولين أو شبكات لوجستية مرتبطة بالحزب داخل تلك الأحياء، إنما يشكل عملياً استدراجاً مباشراً للنار إلى قلب العاصمة”.
ومن بين النقاط التي أثارت كثيراً من الجدل، يلفت حمادة إلى استهداف المبنى الذي كان يشغل أحد طوابقه فرع تابع لجمعية القرض الحسن. وقد ترافقت العملية، بحسب ما يشير، مع معلومات إسرائيلية تتحدث عن منشأة تحت الأرض تُستخدم لتخزين أموال نقدية وكميات كبيرة من الذهب، إضافة إلى رصد حركة نقل مالية عبر الدراجات النارية بين الموقع ومحيطه.
ويشدد على أنه “بصرف النظر عن دقة هذه المعلومات من عدمها، فإنّ جوهر المسألة لا يتغير: إذا كانت مؤسسات أو شبكات مرتبطة بحزب الله تعمل من داخل مبانٍ سكنية، فإنّ ذلك بحد ذاته فضيحة أمنية وسياسية، لأنه يعرّض المدنيين لخطر لا علاقة لهم به”.
المسؤولية على من يزرع الأهداف بين الناس
ويضيف حمادة أنّ المشكلة ليست فقط في الضربة، “بل في السبب الذي يجعل أحياء سكنية مدنية تتحول إلى أهداف محتملة”. ويؤكد أن “المسؤولية تقع أولاً وأخيراً على حزب الله، الذي يصرّ على نقل بنيته التنظيمية والأمنية والمالية إلى داخل النسيج المدني، متكئاً على الناس، ومستخدماً الأحياء السكنية كغطاء، وغير آبه بالعواقب الكارثية على السكان”.
ويحذّر من أنّ هذا السلوك لا يبدو محصوراً في بيروت وحدها، بل ثمة مؤشرات إلى تمدده نحو مناطق في جبل لبنان، جنوباً وشمالاً، ما يعني أنّ الخطر مرشح للاتساع، وأنّ سياسة التمويه والاختباء بين المدنيين قد تتحول إلى نمط دائم يهدّد مناطق لا علاقة لها أصلاً بأي نشاط عسكري أو أمني.
ويشدد حمادة على ضرورة التمييز بوضوح بين المواطنين المؤيدين أو المتعاطفين مع حزب الله، وبين المسؤولين والعناصر الناشطين في أطره العسكرية والأمنية والمالية. ويقول: “لا أحد يحاسب الناس على آرائهم السياسية، لكن ما لا يمكن القبول به هو أن يتحول المدنيون، أياً كانت بيئتهم، إلى رهائن لمشروع أمني وعسكري يفرض نفسه عليهم بالقوة، ويستخدم أحياءهم ومبانيهم كمساحات اختباء أو عمل أو تمويل”.
ويختم حمادة بموقف حاسم: “من يزرع الأهداف بين الناس، يتحمل مسؤولية تعريض الناس للخطر. ومن يختبئ بين المدنيين، لا يحميهم، بل يورّطهم. ومن يحوّل العاصمة إلى شبكة ملاجئ سرية وممرات مالية وأمنية، إنما يعتدي على بيروت قبل أن يعتدي على خصومه”.
بيروت مدينة للمدنيين
المطلوب اليوم موقف واضح: حماية بيروت تبدأ برفض تحويل أحيائها السكنية إلى امتداد للبنية الأمنية والعسكرية لحزب الله. لأنّ العاصمة ليست ساحة مفتوحة للحروب بالوكالة، وليست مخبأً للقيادات، وليست صندوق بريد للصواريخ والرسائل الإقليمية.
بيروت مدينة للمدنيين، وأمنها يجب أن يكون فوق كل اعتبار. وإذا كان أهالي العاصمة قد اختصروا وجعهم وغضبهم بجملة واحدة، فهي تكفي لتقول كل شيء: “اللي بدّو يحارب يروح عالجبهات… ما تتخبّوا بيناتنا”.




