ما وراء النووي: كيف أصبح مضيق هرمز أداة استراتيجيّة في يد إيران؟

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
لعشرات السّنين، استحوذ البرنامج النووي الإيراني على اهتمام الاستراتيجيّين الغربيّين، مستنزفًا المفاوضات، والعقوبات، والأزمات الدبلوماسيّة. لكنّ الحقيقة باتت واضحة وضوح الشّمس منذ اندلاع الصّراع الأميركيّ-الاسرائيليّ ضدّ طهران في نهاية شباط: لم تعد القنبلة الذريّة هي ورقة الجمهوريّة الإسلاميّة الاستراتيجيّة الرئيسية، بل مضيق هرمز.
هذه الورقة قابلة للتّفعيل فورًا، وتمتدّ آثارها حتّى إلى الأسواق الماليّة الآسيويّة، وفواتير الكهرباء الأوروبيّة.
إغلاق يعيد تعريف الحرب
مع أولى الضّربات الأميركيّة والاسرائيليّة على طهران، الّتي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي، أعلنت القيادة الإيرانيّة الباقية ردّها: ضرب البنية التحتيّة للطّاقة الإقليمية، وإغلاق مضيق هرمز. وفي الثّاني من آذار، صرّح مستشار رفيع المستوى في الحرس الثوريّ بأنّ أي سفينة تحاول المرور ستتعرّض للهجوم. وفي خلال أقلّ من أربع وعشرين ساعة، استهدفت طائرات مسيّرة، أو صواريخ، خمس سفن تجاريّة على الأقلّ.
وفق بيانات المتابعة البحريّة الصّادرة عن مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والدوليّة (CSIS) ، سجّل المضيق عبور أكثر من 153 سفينة يوميًّا قبل بدء الصّراع. ومنذ الأوّل من آذار، لم يُسجَّل سوى عبور 78 سفينة، أي بمعدّل يوميّ قدره 13 سفينة، لا يتجاوز 8% من الحركة المعتادة.
لم يستلزم الأمر إغلاق المضيق بشكل كامل. وكما يوضح مركز ستيمسون، لا تتعلّق المسألة بقدرة إيران على “إغلاق” المضيق بالمعنى القانونيّ، بل بما إذا كان سيغدو عمليًّا غير صالح للتّجارة.
يتسبّب عمليًّا الإغلاق الجزئيّ بأضرار تضاهي أضرار الحصار المعلن: أمام مخاطر الطّائرات المسيّرة، والألغام البحريّة، والتّشويش الالكترونيّ، وانهيار تغطيات التّأمين، تتوقّف شركات الشّحن عن الإبحار قبل أي إعلان رسميّ، لتصبح التّأمينات آليّة لتطبيق الخوف الجيوسياسيّ.
العالم بأسره يدفع الثّمن
يشكّل أثر إغلاق مضيق هرمز الاقتصاديّ سابقة في التّاريخ الحديث. فقد قدّرت الوكالة الأميركيّة لمعلومات الطّاقة عبور نحو 20 مليون برميل من النّفط الخام والمنتجات البتروليّة يوميًّا عبر المضيق في 2024، أي نحو خُمس الاستهلاك العالميّ من المنتجات البتروليّة السّائلة، وأكثر من ربع تجارة النّفط البحريّة العالميّة. ويحذّر مركز ستيمسون من أنّ أي اضطراب جديّ في هرمز قد يسحب بين 8 و10 ملايين برميل يوميًّا من الإمدادات العالميّة، وهو رقم يعجز أي احتياطيّ استراتيجيّ عن امتصاصه بشكل مستدام.
تتجاوز التّداعيات النّفط الخام. فأسواق الغاز الطبيعيّ المسال (GNL) عرضة للتأثّر بشكل خاص، إذ تعتمد صادرات قطر بالكامل على المضيق، وتغذّي في المقام الأوّل الشّارين الآسيويّين. ويربط هذا الاختناق اليوم التّصعيد العسكريّ في الخليج بتكاليف الطّاقة في آسيا، وهوامش الصّناعات، وفواتير الاستيراد. وقد ارتفع سعر خام برنت نحو 10% بعد الضّربات الأولى.
وتجسّد الصّين وحدها حدود القدرة على مواجهة هذه الورقة الاستراتيجيّة. إذ تستورد بكين نحو 40% من نفطها، و30% من غازها الطبيعيّ المسال عبر المضيق. ورغم دعواتها العلنيّة للحفاظ على مرور السّفن، لم تحصل السّفن الصينيّة على أي إعفاءات، على عكس ما حصل مع الحوثيّين في البحر الأحمر سابقًا: منذ الأوّل من آذار، عبرت سفينتان ترفعان العلم الصينيّ، فيما بقيت 55 سفينة عالقة في الخليج العربيّ. وحتّى أنّ بكين اضطرت إلى إصدار أوامر إلى مصفاتها بتعليق صادرات الوقود، ما يعكس القلق المتصاعد تجاه وضع لم يعد تحت سيطرتها.
ورقة ضغط دائمة ومستقلّة عن النوويّ
قد يشكّل أهمّ بعد استراتيجيّ في هذه الأزمة ما كشفته صحيفة Financial Times البريطانيّة؛ فقد أظهرت إيران للعالم حيازتها وسيلة ضغط دائمة على الاقتصاد العالميّ، مستقلّة تمامًا عن السّلاح النوويّ. وكما يوضح السّير سايمون غاس، السّفير البريطانيّ السّابق في طهران، تمثّل رغبة الولايات المتّحدة في إسقاط النّظام “اللّحظة الّتي يدرك فيها النّظام أنّ الصّراع قد يصبح وجوديًّا، وعليه استخدام جميع الأدوات المتاحة”.
يغيّر هذا الوعي هيكل الحوافز في طهران، وبشكل دائم. قبل هذا الصّراع، كان النّظام لا يزال يملك سببًا يدفعه إلى تجنّب المواجهة الكاملة الّتي قد تؤدّي إلى إغلاق المضيق. أمّا اليوم، فحتّى لو قرّرت الجمهوريّة الإسلاميّة إعادة فتح مضيق هرمز يومًا، فستحتفظ دائمًا بتهديد إعادة إغلاقه، كي يبقى وسيلة ردع في وجه أي اعتداءات مستقبليّة. وتؤكد Financial Times إنّ النّظام قد يخرج بموقع دوليّ أقوى إن نجا من هذه الحرب، ليس بفضل القنبلة النوويّة، بل بفضل المضيق.
وبالنسبة إلى واشنطن وحلفائها، أصبحت المعضلة هيكليّة: فالمسألة الحقيقيّة في هذا الصّراع لم تعدِ النوويّ الايرانيّ، بل قدرة دولة محاصرة على احتجاز 20% من نفط العالم، انطلاقًا من مياه مضيق عرضه 33 كيلومترًا.
مواضيع ذات صلة :
ترامب يصف أعضاء الناتو ب”الجبناء”…فما السبب؟ | الإمارات تعلن تفكيك شبكة مرتبطة بـ”حزب الله” وإيران! | ترامب: 200 مليار دولار للبنتاغون “ثمن صغير” في حرب إيران |




