النّفط والغاز في مرمى الصّراع: هل من حرب طاقة في الأفق؟!

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
بعد أن بقيَت البنية التحتيّة للطّاقة بمنأى نسبيًّا عن الاستهداف، أصبحت اليوم في قلب النّزاع. ويعكس الهجوم الّذي وقع في الثّامن عشر من آذار على حقل ساوث بارس الغازيّ في إيران، وما تلاه من ضربات إيرانيّة انتقاميّة استهدفت مركز الغاز في رأس لفان في قطر، تمدّدَ الأعمال العدائيّة تدريجيًّا إلى الموارد الطاقويّة، الّتي باتت تُعامَل كأهداف استراتيجيّة معلَنة.
وتتبنّى طهران هذه الديناميّة صراحةً. فقد صرّح المتحدّث باسم مقرّ خاتم الأنبياء المركزيّ، التّابع للحرس الثوريّ، صباح الخميس، بأنّ “العدوّ ارتكب خطأً فادحًا باستهدافه البنية التحتيّة الطاقويّة”، محذّرًا من أنّ الردّ الإيرانيّ “جارٍ، ولم ينتهِ بعد”.
من أهداف اقتصاديّة إلى أهداف عسكريّة
يُعزى التّصعيد الأخير أساسًا إلى تحوّل عميق في طبيعة الحرب. فلم تعدِ الأطراف المتحاربة تكتفي بضرب الأهداف العسكريّة، بل باتت تستهدف ركائز القوّة الاقتصاديّة عند الخصم. وفي منطقة الخليج، تقوم هذه القوّة إلى حدٍّ كبيرٍ على النّفط والغاز.
ويُعتبر حقل ساوث بارس، المشترك بين إيران وقطر (حيث يُسمّى نورث دوم)، أكبر مكمن للغاز الطبيعيّ في العالم. وتمتدّ مساحته على نحو 9700 كيلومتر مربّع، ضمن بنية جيولوجيّة واحدة تُستغلّ بشكل منفصل: نحو 6000 كيلومتر مربع في الجانب القطريّ، و3700 كيلومتر مربعٍ في الجانب الإيرانيّ. وبفضل استغلال أكثر كثافة، أصبحت قطر أكبر مُصدّر غاز طبيعيّ مُسال في العالم، فيما يوفّر هذا الحقل الجزء الأكبر من إنتاج الغاز الإيرانيّ.
لذلك، يشكّل هذا المكمن ركيزةً أساسيّةً لاقتصادات البلديْن، وعنصرًا محوريًّا في إمدادات الطّاقة العالميّة. وقد أثّر الهجوم فيه في نحو 12% من إنتاج الغاز الإيرانيّ.
وردًّا على ذلك، استهدفت إيران رأس لفان، المركز الحيويّ للغاز الطبيعيّ المُسال في قطر، حيث يُسيَّل الغاز قبل تصديره إلى أوروبا وآسيا. وقد أُبلغ عن حرائق كبيرة، وأضرار جسيمة في الموقع.
وتعكس هذه الضّربات استراتيجيّةً واضحةً: استهداف الغاز يعني ضرب الاقتصاد، لكنّه يحمل أيضًا رسالةً استراتيجيّةً أوسع. وكما يرى الجنرال الفرنسيّ المتقاعد دومينيك ترانكان، تنتهج إيران اليوم منطق تصعيد يهدف إلى “خلق مستوى كافٍ من الفوضى لفرض التّفاوض”.
هل من حرب طاقة في الأفق؟
هل يمكن الحديث عن “حرب طاقويّة”؟ يبدو أنّ هذا الوصف يفرض نفسه تدريجيًّا. فلم تعدِ المحروقات مجرّد مورد استراتيجيّ، بل تحوّلت إلى أداة ضغط.
ومنذ اندلاع النّزاع في الثّامن والعشرين من شباط، تتزايد الهجمات على البُنية التحتيّة الطاقويّة، من مصافٍ وخطوط أنابيب إلى مرافئ تصدير، على الرغم من أنّها كانت محدودة في البداية. وقد استُهدفت منشآت في السعوديّة والإمارات، كذلك في عرض البحر، بصواريخ وطائرات مُسيّرة.
ويأتي هذا التطوّر في سياق تاريخيّ معروف، ولكن بوتيرةٍ أكثر حدّة. إذ يشير آلان باور، عالم الجريمة والأستاذ الفخريّ في المعهد الوطنيّ للفنون والصّناعات – باريس، وفي جامعات نيويورك وشنغهاي، إلى أنّ استهداف الطّاقة “شكّل دائمًا عنصرًا حاضرًا في الحروب”، لكنّه يلفت إلى أنّ “الضّربات الأخيرة أعمق وأكثر تدميرًا”، ما يعكس ديناميّة “التّصعيد من أجل خفض التّصعيد” الّتي باتت صعبة الاحتواء.
وفي هذا السّياق، يبقى تسلسل الأحداث الزمنيّ عاملًا حاسمًا. فوفق ترانكان، جاءت الضّربة الأولى من الجانب الإسرائيليّ، أعقبتها ردود إيرانيّة، في إطار نمط تقليديّ من الرّدع المتبادل. لكنّه يحذّر من أنّ طهران قد ترى في استمرار التّصعيد وسيلةً لإعادة تشكيل ميزان القوى، وفرض مسار دبلوماسيّ.
على المستوى التكتيكيّ، تتنوّع وسائل الهجوم بين الضّربات الجويّة، والصّواريخ الباليستيّة، والطّائرات المُسيّرة الانتحاريّة. ويجعل هذا التّداخل الدّفاع أكثر تعقيدًا. فـ”الأنظمة الدفاعيّة الحاليّة، على الرغم من تطوّرها، تُظهر حدودها أمام هجمات مركّبة، خُصوصًا باستخدام أسراب من الطّائرات المُسيّرة”، بحسب باور.
ترامب بين الغموض والتّباينات الاستراتيجيّة
في قلب هذه المرحلة، تعكس تصريحات الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب غموضًا استراتيجيًّا لافتًا.
ففي الثّامن عشر من آذار، أكّد عدم علمه بالهجوم الإسرائيليّ على حقل ساوث بارس، قبل أن يعتمد بعد ساعات لهجة أكثر حدّة، مهدّدًا بتدمير الموقع في حال شنّت إيران ضربات جديدة على منشآت قطريّة. ويعتبر باور أنّ “هذه المقاربة تندرج ضمن منطق الإنكار المقبول، المعروف في التّواصل الاستراتيجيّ الأميركيّ”. ويزداد هذا التحوّل وضوحًا بالنّظر إلى أنّه، وفي مراحل النّزاع الأولى مطلع آذار، كان قد أعلن عدم نيّته استهداف البنية التحتيّة للطّاقة الإيرانية مباشرة، مفضّلًا التّركيز على الأهداف العسكريّة. ويعكس هذا التطوّر تحوّلًا نحو منطق التّصعيد المتعمّد.
إنّما، وبعيدًا عن الخطاب الإعلاميّ، تتوضّح خلافات جوهريّة. فوفق ترانكان، لا تتطابق الأهداف الأميركيّة والإسرائيليّة: إذ تسعى إسرائيل إلى إضعاف النّظام الإيرانيّ، وربما الإطاحة به، في حين تهدف واشنطن بالدّرجة الأولى إلى الحفاظ على خيار الحلّ الدبلوماسيّ.
وينعكس هذا التّباين، وفق الخبير العسكريّ، في اختيار الأهداف وفي وتيرة العمليّات. كما يظهر في مواقف الرّئيس الأميركيّ، الّتي تبدو أحيانًا متقلّبةً. ويشير ترانكان إلى تصريحات “سريعة وأحيانًا غير مستقرّة”، قد تزيد من حالة عدم اليقين في وضع متقلّب أصلًا.
ويبقى السّؤال: إلى أي مدى ستواصل الولايات المتّحدة دعم الاستراتيجيّة الإسرائيليّة (الاسرائيليّة) إذا استمرّ تباعد الأهداف؟
نزاع بتداعيات عالميّة؟
تتجاوز التّداعيات حدود المنطقة، إذ يُحدث شبه إغلاق مضيق هرمز، الّذي يعبره جزء حيويّ من النّفط العالميّ، إلى جانب الهجمات على البنية التحتيّة للغاز، صدمةً في الأسواق.
وقد ارتفعت أسعار النّفط، بينما سجّلت أسعار الغاز في أوروبا قفزات بلغت نحو 30% في يوم واحد. وكما يوضح باور، “يتحدّد السّعر وفق الطّلب لا موقع الإنتاج”، ما يعزّز، برأيه، خطر “ارتفاع إضافيّ كبير”.
كما تتصاعد مخاوف من نقص في الإمدادات، خصوصًا في حال تعطُّل الصّادرات القطريّة لفترة طويلة. غير أنّ التّأثير لن يكون متساويًا. فبحسب باور، قد يبقى محدودًا نسبيًّا في الأسواق الغربيّة، لكنّه سيكون أشدّ وطأة في آسيا، الّتي تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعيّ المُسال من الخليج.
في هذا السّياق، قد تستفيد بعض الأطراف من الوضع، لا سيّما الولايات المتّحدة الّتي أصبحت من كبار مصدّري الغاز الطبيعيّ المُسال، إضافةً إلى سويسرا وسنغافورة، كما يشير باور. في المقابل، تتراجع ثقة المستثمرين. ويختم باور: “لقد تبدّد وهم الأمان”، في إشارة إلى خطر تباطؤ المشاريع الطاقويّة في المنطقة.
عجز المجتمع الدوليّ أمام التّصعيد
في ظلّ هذا التّصعيد، يجد المجتمع الدوليّ صعوبةً في فرض موقف فعّال. فقد دعا عدد من القادة، من بينهم إيمانويل ماكرون، إلى وقف الهجمات على البنية التحتيّة، الّتي تُعتبر مدنيّة وضروريّة للاقتصاد العالميّ.
مع ذلك، لم تُثمر هذه الدّعوات عن أي أثر ملموس حتّى الآن. ويذهب باور أبعد من ذلك، معتبرًا أنّ “المجتمع الدوليّ لم يعد موجودًا فعليًّا”.
ويبدو أنّ منطق الرّدع أصبح قائمًا، خصوصًا بعد تصريحات المتحدّث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزيّ. فكلّ ضربة تلاقيها ردود، غالبًا ما تستهدف أهدافًا اقتصاديّة، ويزداد خطر توسّع النّزاع، مع احتمال تحوّل منشآت تحلية المياه إلى أهداف لاحقة.
مواضيع ذات صلة :
تأثير أزمة الغاز والأسمدة على الغذاء في المستقبل | ارتفاع أسعار النفط والغاز مع تصاعد التوتّرات الجيوسياسيّة | وزارة الاقتصاد: ضبط مخالفات في الغاز والخضار والسلع الغذائية |




