وسط العاصمة يتحوّل إلى مخيم مفتوح: لماذا لا ينتقل النّازحون إلى مراكز الإيواء؟!

بلدية بيروت تحاول، ضمن الإمكانات المتاحة، الموازنة بين الواجب الإنساني ومتطلبات الحفاظ على النظام العام داخل المدينة، داعيًا إلى تحرك أوسع من الدولة والجهات المعنية، لأن حجم الضغط الذي تتحمّله العاصمة بات يتجاوز قدراتها الذاتية.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
لم يعد المشهد في وسط بيروت والبيال مجرّد صورة عابرة لأزمة مؤقتة، ولا تفصيلًا يمكن التعامل معه ببرودة أعصاب أو بعبارات إنشائية من نوع “البلد يتحمّل”. ما يجري اليوم في قلب العاصمة هو مشهد نزوح واسع ومفتوح، يكشف بوضوح حجم الضغط الهائل الذي تواجهه الدولة ومؤسّساتها في إدارة الأزمة، كما يعكس في الوقت نفسه حجم المأساة الإنسانية التي دفعت آلاف العائلات إلى افتراش الأرصفة، ونصب الخيم في الأماكن العامة، وتحويل الساحات البحرية والواجهات السياحية إلى مساحات إقامة اضطرارية.
في البيال، وفي عدد من النّقاط داخل وسط بيروت، وعلى الأرصفة، وتحت الجسور، وعلى أطراف الكورنيش، تتكرّر مشاهد لم يكن اللبنانيون يتخيّلون أن تصبح جزءًا من يوميّات العاصمة بهذا الشكل القاسي: عائلات بكامل أفرادها تحمل ما تبقّى من حياتها في أكياس وأغطية، أطفال ينامون على الأرض، نساء يبحثن عن زاوية تحميهن من الليل، ورجال يحاولون خلق مساحة من “الحياة” داخل مساحة من الانهيار.
وفي المقابل، تظهر مشاهد أخرى تثير امتعاض شريحة واسعة من المواطنين، من بينها إشغال الأرصفة، والفوضى في استخدام الأملاك العامة، وتحوّل بعض المساحات إلى ما يُشبه جلسات مفتوحة أو مقاهٍ شعبية، وصولًا إلى انتشار الأراجيل في أماكن يُفترض أنها تحوّلت إلى نقاط لجوء اضطراري لا إلى فضاءات استرخاء.
هذا التناقض الصّادم بين المأساة الإنسانية والفوضى السلوكية، بين التعاطف المشروع والامتعاض المفهوم، هو ما جعل الشارع اللبناني ينقسم بين مَن يرى في المشهد دليلًا على كارثة وطنية تستوجب الاحتضان، وبين مَن يعتبر أن ما يحصل في وسط بيروت تحديدًا تجاوز حدود النزوح وتحوّل إلى فوضى غير مقبولة، وأنّ الدولة، بدلًا من أن تنظّم، تركت العاصمة تحت ضغط عشوائية متزايدة.
لكن، قبل الانفعال، يفرض سؤال أساسي نفسه: لماذا يبيت هؤلاء في البيال ووسط بيروت؟ ولماذا لا ينتقلون إلى مراكز الإيواء الرسمية؟
في ظلّ تصاعد موجات النزوح باتجاه العاصمة، أكد عضو مجلس بلدية بيروت المحامي محمد بالوظة لـ”هنا لبنان” أن المدينة تواجه في هذه المرحلة ضغطًا إنسانيًّا ولوجستيًّا غير مسبوق، نتيجة التدفّق الكثيف للعائلات النازحة، في وقتٍ باتت فيه مراكز الإيواء الرسمية عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة، ما فرض على البلدية اعتماد خيارات ميدانيّة استثنائيّة تقوم على تجهيز مساحات عامة واسعة لإقامة مخيمات مؤقتة تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية وتمنع بقاء العائلات في العراء.
وأوضح بالوظة أن القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء في بيروت استُنفدت إلى حدٍّ كبيرٍ، مشيرًا إلى أن الواقع الميداني لم يعد يسمح بالتعامل مع الأزمة وفق الآليّات التقليدية، بل يستوجب إجراءات سريعة ومرنة تتلاءم مع طبيعة الظرف الطارئ وحجم الضغط المتزايد على العاصمة.
وقال: “لم يعد لدينا ما يكفي من مراكز الإيواء القادرة على استيعاب كلّ الأعداد التي تصل إلى بيروت، لذلك نحن مضطرّون إلى الاستفادة من المساحات المُتاحة ضمن نطاق البلدية لإقامة مخيمات مؤقتة تؤمّن الحماية للعائلات النازحة، بدل تركها في الشارع أو تحت الأمطار والبرد”.
وأضاف أنّ “المشهد لا يقتصر على وسط بيروت، بل إن البلدية تتعامل مع خريطة نزوح واسعة تمتدّ على أكثر من نقطة داخل العاصمة، لافتًا إلى أن العمل جارٍ على إعداد عدد من المساحات المفتوحة، بينها البيال والكرنتينا، لاستخدامها كمواقع إيواء انتقالية تستوعب أكبر عدد ممكن من الوافدين”.
وفي تفسيره لتمركز أعداد كبيرة من النّازحين داخل بيروت، أشار بالوظة إلى أنّ قسمًا واسعًا من العائلات الوافدة لا يستطيع الانتقال إلى مناطق جبل لبنان أو الشمال، إمّا بسبب الضغط الكبير على تلك المناطق، أو غياب القدرة اللوجستية، أو عدم توافر أماكن جاهزة للاستقبال، ما يجعل العاصمة عمليًّا نقطة النزوح الأولى والأكثر كثافة في هذه المرحلة.
وأكد أنّ البلدية لا تتعامل مع هذا الواقع بوصفه خيارًا، بل باعتباره ضرورةً إنسانيةً ملحّةً، قائلًا: “هناك عدد كبير من العائلات ينزح مباشرة إلى بيروت ولا يستطيع التوجّه إلى جبل لبنان أو الشمال، وبالتالي لا يمكن ترك هؤلاء من دون أي بديل. من واجبنا أن نؤمّن لهم مأوى مؤقتًا، حتى لو كان ضمن مخيمات طارئة أو مساحات مفتوحة مجهّزة بالحد الأدنى من المستلزمات”.
وأضاف أن ما تقوم به البلدية اليوم هو إدارة أزمة استثنائية بأدوات محدودة، في وقتٍ تتجاوز فيه أعداد النازحين قدرة المؤسّسات المحلية على الاستجابة الكاملة، ما يفرض حلولًا سريعةً وغير تقليديةٍ قد لا تكون مثالية، لكنّها تبقى الخيار الأكثر واقعية وإنسانية في ظلّ الظروف الراهنة.
وشدّد بالوظة على أنّ المخيمات التي يجري العمل عليها ليست مشروعًا دائمًا، ولا تمثّل أي تغيير في طبيعة العاصمة أو وظيفتها العمرانية، بل هي إجراء طارئ ومؤقت هدفه حماية العائلات النازحة إلى حين تحسّن الظروف بما يسمح بعودتها إلى قراها وبلداتها الأصلية.
وقال: “نحن لا نتحدث عن إقامة دائمة، بل عن استضافة مؤقتة تفرضها الضرورة. المطلوب اليوم هو تأمين مكان آمن للعائلات في هذه المرحلة الصعبة، إلى أن تتمكن من العودة إلى ضيعها عندما تسمح الظروف”.
وعن المشاهد المتداولة عن انتشار الأراجيل على الأرصفة وفي بعض نقاط تجمع النازحين، أوضح بالوظة أن البلدية تتعامل مع هذا الواقع بقدر من المرونة نظرًا إلى الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، مشيرًا إلى أن الأولوية في هذه المرحلة تبقى لمعالجة الجانب الإنساني وتأمين الحد الأدنى من الحماية للعائلات النازحة، أكثر من التركيز على بعض المظاهر الجانبية التي فرضتها طبيعة الأزمة.
ولفت إلى أن هذه المقاربة لا تعني تجاهل النظام العام بشكل كامل، بل تعكس ترتيبًا مرحليًّا للأولويات في ظل حالة الطوارئ، حيث تُقدَّم الحاجة إلى الإيواء والحماية على معالجة بعض التفاصيل المرتبطة بالسلوكيات اليومية داخل نقاط النزوح.
وختم بالوظة بالتأكيد أن بلدية بيروت تحاول، ضمن الإمكانات المتاحة، الموازنة بين الواجب الإنساني ومتطلبات الحفاظ على النظام العام داخل المدينة، داعيًا إلى تحرك أوسع من الدولة والجهات المعنية، لأن حجم الضغط الذي تتحمله العاصمة بات يتجاوز قدراتها الذاتية.
وبين مشهد إنساني قاسٍ يفرض نفسه على قلب بيروت، وفوضى ميدانية تُثير اعتراضات متزايدة، تبدو العاصمة اليوم أمام اختبار صعب: كيف تستوعب آلاف النازحين بكرامة، من دون أن تتحوّل المساحات العامة إلى فوضى مفتوحة؟ سؤال لا يبدو أنّ بلدية بيروت وحدها قادرة على الإجابة عنه، في ظلّ أزمة تتجاوز قدرات الدولة، وتحتاج إلى قرار وطني سريع يُوازن بين الإغاثة والتنظيم، وبين حماية الإنسان وحماية المدينة.




