ما الذي يبقى اليوم من وكلاء إيران؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
بين حماس الّتي تدعو إلى احتواء التّصعيد الإيرانيّ، وسوريا الّتي فقدت إيران نفوذها فيها، والحوثيّين الّذين يحافظون على موقف حذر من دون إطلاق النّار، والميليشيات العراقيّة المتردّدة في الانخراط بالحرب، وحزب الله الّذي ضعف كثيرًا، يبرز سؤال محوريّ: ماذا يبقى اليوم فعليًّا من “وكلاء” إيران؟
لأنّ الاختلاف بات واضحًا. فمنذ اندلاع الحرب الإقليميّة، يتصرّف حلفاء طهران، الّذين شكّلوا لفترة طويلة كتلة واحدة مستعدّة للاشتعال المتزامن، بتروّ وحذر بالغيْن.
ففي غزّة، دعت حماس في الأوّل من آذار، على الرغم من كونها في قلب الأحداث منذ 2023، إلى الحدّ من الضّربات الإيرانيّة على جيرانها في الخليج، وتجنّب توسّع الصّراع.
وفي اليمن، يتحفّظ الحوثيّون، الّذين عرقلوا جزءًا من حركة الملاحة في البحر الأحمر، حتّى الآن، على الرغم من امتلاكهم القدرة الكاملة على إحداث الضّرر.
وفي العراق، تتضاعف لدى الميليشيات الموالية لإيران الإشارات المتناقضة: بعض الهجمات، إنّما من دون الانخراط الكامل.
ويثير هذا التّفاوت شكوكًا متزايدةً، كما أشارت إليه تحليلات دوليّة متعدّدة: هل لا يزال “محور المقاومة” قوّة منسّقة، أم أصبح مجرّد كوكبة من الفاعلين الضّعفاء، المستقلّين والحذرين؟
نموذج طالما أثار الخوف، أمام اختبار عسير اليوم
على مدى أكثر من عقديْن، اعتمدت الاستراتيجيّة الإقليميّة الإيرانيّة على مبدأ بسيط: إظهار القوّة من دون التعرّض المباشر. إذ بنت إيران، بالاعتماد على شبكة من الجماعات المسلّحة، من حماس في غزّة إلى حزب الله في لبنان، مرورًا بالميليشيات العراقيّة، والسوريّة، والحوثيّين، قوسًا من النّفوذ قادرًا على إحاطة خصومها.
أتاح هذا النّهج ممارسة ضغط مستمرّ على إسرائيل، وعلى المصالح الأميركيّة، مع الحفاظ على غموض استراتيجيّ: الضّرب من دون التبنّي، والتحّرك من دون الانخراط رسميًّا في الحرب. وعلى مدى سنوات، استثمرت طهران بكثافة في هذه الشّبكة، تمويلًا وتدريبًا، لا سيّما في نقل التّكنولوجيا. ويكمن هنا واحد من أبرز تحوّلات هذه الاستراتيجيّة: تعميم قدرات عسكريّة كانت في السّابق حكرًا على الدول.
صواريخ باليستيّة وطائرات مسيّرة دقيقة وأنظمة توجيه…
مكنّت هذه التقنيّات، الّتي انتشرت تدريجيًّا، الفاعلين غير الدوليّين من إحداث نقلة نوعيّة في قدراتهم. فباتت جماعات مثل الحوثيّين وحزب الله، قادرةً على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، بدقّة، وكلفة، تعيدان تشكيل التّوازنات التقليديّة.
مع ذلك، يواجه هذا النّموذج، منذ 2023، اختبارًا عسيرًا. فقد أضعفت الهجمات الإسرائيلية، والضّربات الأميركيّة، والضّغط الدوليّ، الكثير من هذه الرّكائز، بشكل ملموس أحيانًا. ومنذ 2023 أيضًا، تغيّرت طبيعة الصّراع بشكل كبير؛ بتعبير آخر، ما كان يُعتبر حربًا غير مباشرة، بات اليوم مواجهةً أكثر وضوحًا، حيث يصبح الانخراط الكامل محفوفًا بالمخاطر، بل ويهدّد الوجود بحدّ ذاته.
فاعلون ضعفاء… كلٌ في مساره الخاص
في غزّة، تجسّد حركة حماس هذا التحوّل. فقد تضرّرت عسكريًّا، وضعفت سياسيًّا، ولم تعد قادرة على أداء دور الجبهة النّشطة الّتي شغلتها في السّابق. ويكشف تحرّكها الجديد هذا التحوّل: أصبحت أقلّ عسكريّة، وأكثر سياسيّة، وأكثر حذرًا في مواجهة خطر التّصعيد الإقليمي. وهو تحوّل ملحوظ لمنظّمة، اعتُبرت طويلًا رأس حربة في المواجهة.
وقدّرت تقييمات إسرائيليّة وأميركيّة، تعود إلى شباط 2026، عدد مقاتلي حركة حماس بحوالى 15،000 إلى 20،000 عنصر، مقابل نحو 30,000 قبل عام 2023، على الرغم من خسائر كبيرة، عوّضها جزئيًّا تجنيد سريع، إنّما محدود الكفاءة.
في الوقت عينه، تقلّصت ترسانة حماس بشكل كبير؛ إذ أشارت بعض التّحليلات إلى امتلاكها حوالي 10% من مخزون الصّواريخ الّذي كان لديها ما قبل الحرب، تُضاف إليها أسلحة خفيفة، وشبكة أنفاق، صالحة جزئيًّا للاستعمال.
وفي اليمن، يبقى الحوثيّون من الأكثر صلابة، وممّن يصعب التنبّؤ بتحرّكاتهم. فقد أظهر تصاعد نفوذهم في السّنوات الأخيرة، لا سيّما في البحر الأحمر، قدرتهم على التّأثير في التّجارة العالميّة.
وأصبح مضيق باب المندب، الّذي يعبره جزء أساسيّ من حركة التّجارة والطّاقة، أداة استراتيجيّة مهمّة. فقد أثّرت الهجمات في الملاحة البحريّة في 2024 و2025 على نحو 10 إلى 15% من التّجارة العالميّة العابرة لهذا المضيق.
وتبقى قوّة الحوثيّ العسكريّة كبيرة، مع مئات الآلاف من المقاتلين الجاهزين للتّعبئة، وترسانة تشمل صواريخ باليستيّة، وطائرات مسيّرة طويلة المدى، وصواريخ مضادّة للسّفن، بعضها أثبت قدرته على الضّرب لمسافة تتجاوز 1،000 كلم.
مع ذلك، يختار الحوثيّون عدم تجاوز عتبة جديدة، في عام 2026. يمكنهم الضّرب، لكنّهم يمتنعون عن ذلك… أو لم يحنِ الوقت بعد. وتبقى أولويّتهم داخليّة إلى حدّ كبير، وترتكز على السّيطرة على الأراضي اليمنيّة، والحفاظ على التّوازن مع المملكة العربيّة السعوديّة.
وفي العراق، تظهر الميليشيات الموالية لإيران بصورة أكثر تشرذمًا. وتمتلك بعض الفصائل قدرات عسكريّة هائلة، مع عشرات آلاف المقاتلين، المزوَّدين بصواريخ باليستيّة تكتيكيّة، وطائرات مسيّرة انتحاريّة، وصواريخ متوسّطة المدى.
ولا تزال هذه الفصائل تتبنّى هجمات محدودة بالطّائرات المسيّرة والصواريخ، كما تُنسب إليها بعضها، لا سيّما ضدّ أهداف أميركيّة أو إقليميّة، بينما تتريّث فصائل أخرى، لإدراكها مخاطر المواجهة المباشرة، وخشيتها فقدان مكاسبها السياسيّة والاقتصاديّة.
تعكس هذه التردّدات واقعًا أعمق: لا تنسجم تمامًا هذه المجموعات، على الرغم من تسليحها وتنظيمها، مع منطق التّصعيد المفروض من الخارج.
أمّا بالنسبة إلى شرق أفريقيا، الّذي يُطرح غالبًا كجبهة محتملة جديدة، فيبقى حتّى الآن على الهامش. وقد تمكّن السّودان، في خلال الحرب الأهليّة، من تشكيل نقطة دعم لوجستيّ لإيران، لا سيّما في شبكات تزويد غزّة بالأسلحة. أمّا التّحليلات اليوم، فحذرة، إذ تشير إلى أنّ النّفوذ الإيرانيّ محدود هناك، وانتهازيّ أكثر منه منظّم. ويبدو أنّ طهران، وهي بدورها تحت الضّغط، تركّز على الحفاظ على مواقعها القائمة، بدل التوسّع نحو مسارح جديدة.
وأخيرًا في سوريا، تراجع النّفوذ الإيرانيّ بشكل كبير، وهي ربّما الخسارة الأبرز بالنسبة إلى طهران بعد سقوط نظام بشّار الأسد في كانون الأوّل 2024. ففي الواقع، ومن بين شبكة واسعة من الميليشيات العاملة على أراضيها، تبقى بعض الفصائل، المرتبطة غالبًا بجماعات عراقيّة أو وحدات هجينة، موجودة، لكنّ قدرتها على العمل أصبحت محدودة، وهامش مناورتها بات ضيّقًا بسبب الضّربات المتكرّرة، وإعادة تشكيل الميدان.
حزب الله… الركيزة الأخيرة تحت الضّغط
يبقى حزب الله في لبنان، وهو الحلقة المركزيّة ضمن هذه الشّبكة، الأكثر تنظيمًا وخبرةً، والأكثر هيبةً ورهبةً، رغم الخسائر.
قُدّرت ترسانته قبل الصّراعات الأخيرة، بأكثر من 150،000 صاروخ وقذيفة، ما يجعله أوّل قوّة ضاربة غير حكوميّة في الشّرق الأوسط. وتقلّص هذا المخزون بعد عامين على حرب 2024، بشكل ملحوظ. وتشير تقييمات متطابقة اليوم إلى عشرات آلاف المقذوفات الصّالحة للاستخدام، كما تقدّر بعض مراكز الدّراسات العدد بين 20،000 و30،000 وحدة، أي انخفاض كبير لكنّه بعيد عن التّفكيك الكامل.
يرتكز هذا المخزون على ثلاثة أعمدة: صواريخ قصيرة ومتوسّطة المدى، وصواريخ مضادّة للدبّابات متطوّرة، استُخدمت على نطاق واسع في المعارك الأخيرة، فضلًا عن أسطول متنامٍ من الطّائرات المسيّرة، بعضها قادر على تنفيذ ضربات دقيقة. يُضاف إلى ذلك عدد محدود، إنّما استراتيجيّ، من الصّواريخ طويلة المدى القادرة على بلوغ أهداف بعيدة.
مع ذلك، يتعدّى الأمر كميّة الأسلحة. ويكمن الموضوع الأبرز في مكان آخر، إذ بدّل حزب الله طريقة تخزين أسلحته، ونشرها، تحت تأثير الضّربات الإسرائيلية. وجرى تقليص البنى التحتيّة المرئيّة إلى حدّ كبير لصالح منظومة أكثر انتشارًا، ولامركزيّة، في غالبيّتها تحت الأرض. وتحافظ الميليشيا الموالية لإيران على قدرة تكيّف استثنائيّة، تشمل توزيع ترسانتها، ودفنها، وإنتاجها محليًّا، وإعادة تنظيم شبكاتها.
في هذا السّياق، برز سهل البقاع كمركز عصبيّ، يضمّ مخازن مدفونة، ومنشآت إنتاج، وشبكات لوجستيّة يصعب استهدافها.
بالتّوازي، حافظ حزب الله على قدرته على إعادة التّزود بالأسلحة على الرغم من الضّربات. يبقى الممرّ البريّ الّذي يربط إيران بلبنان عبر العراق وسوريا شبه فعّال، مع مواصلة وحدات متخصّصة عمليّات النّقل، بينما تطوّر إنتاج الطّائرات المسيّرة والصّواريخ، بشكل تدريجيّ، محليًّا.
مع ذلك، يتقدّم حزب الله بحذر، على الرغم من هذه القدرات الّتي يحاول من خلالها الصّمود. فهو يشارك في تبادل إطلاق النّار مع إسرائيل، لكنّه يتجنّب حتّى الآن حربًا شاملة. هذا الاختيار محسوب، إذ قد يهدّد فتح جبهة كبرى اليوم، بقاءه واستمراريّته.
في العمق، تبرز خلف ركود بعض “وكلاء” إيران الظّاهر، قراءة جوهريّة: ماذا لو تؤدّي أذرع طهران، بكل بساطة، دورًا مختلفًا، بدل أن تُسحق؟
مواضيع ذات صلة :
الأسبوع المقبل حافل بالضربات… وإسرائيل لن تتوقف | إسرائيل تكشف تفاصيل بشأن عملية إغتيال شمخاني | محفوض: الحسم ضرورة سيادية وليس خيارًا |




