السعودية مستعدّة للردّ على إيران: القدرات العسكريّة والرّهانات الاستراتيجيّة

ترجمة هنا لبنان 21 آذار, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

أكدّت المملكة العربيّة السعوديّة الأربعاء، ثم عادت وأكّدت في اليوم التّالي، إنّها “تحتفظ بحقّها” في الردّ عسكريًّا على الهجمات المتكرّرة المنطلقة من إيران، الّتي استهدفت مرارًا وتكرارًا مواقع سعوديّة بطائرات مسيّرة وصواريخ. وفي بيان حازم، شدّد وزير الخارجيّة السعوديّ، فيصل بن فرحان، على أنّ الثّقة بطهران “انقطعت تمامًا”، مشيرًا إلى أنّ إيران يستحيل أن تمثّل شريكًا بينما تمارس التّرهيب، وزعزعة الاستقرار.
وفي خلال مؤتمر صحفي في الرّياض، ندّد بن فرحان بالاعتداءات الإيرانيّة على الدول المجاورة، وحريّة الملاحة، مشيرًا إلى أنّها “تصعيد خطير”، و”انتهاك صارخ للقانون الدوليّ”. وفي هذا السّياق، أعاد التّأكيد على أنّ المملكة تحتفظ بحقّها في التحرّك عند الضّرورة لحماية أمنها وسيادتها، محذّرًا من أنّ أي محاولة للضّغط، أو التّرهيب، سترتدّ على أصحابها، داعيًا طهران إلى مراجعة خياراتها قبل أن يزداد الوضع تفاقمًا.
ويواكب هذا الموقف الحازم قدرات عسكريّة فعليّة؛ إذ تمتلك المملكة جيشًا مجهّزًا بأحدث المعدّات، مدعومًا بواحد من أكبر الإنفاقات العسكريّة في العالم. وبحسب تقديرات دوليّة، تخصّص نحو 75 إلى 80 مليار دولار سنويًّا للدّفاع، أي ما يقارب 7% من ناتجها المحليّ الاجماليّ، ما يجعلها من بين الدول الأكثر إنفاقًا في العالم على الصّعيد العسكريّ.

جيش ضخم ومتطوّر تكنولوجيًّا
تضمّ القوات المسلّحة السعوديّة اليوم أكثر من 127 ألف جنديّ في الخدمة الفعليّة، موزّعين بين القوّات البريّة، والجويّة، والبحريّة، إلى جانب وحدات الدّفاع الجويّ، والصّواريخ الاستراتيجيّة. ويُضاف إلى هذه القوّة نحو 130 ألف عنصر في الحرس الوطنيّ، فضلًا عن آلاف العناصر الأخرى من قوّات الاحتياط، أو التّشكيلات شبه العسكريّة.
على الصّعيد البريّ، عملت الرّياض على تحديث ألوية المدرّعات والقوّات الميكانيكيّة، مع دبّابات ثقيلة من طراز M1 Abrams الأميركيّة، ومجموعة واسعة من مدرّعات المشاة، ومنظومات المدفعيّة. وتضمّ هذه الألوية وحدات متخصّصة، من المشاة المحمولة جوًّا إلى قوّات التدخّل السّريع، القادرة على العمل في بيئات ميدانيّة متنوّعة.
أمّا سلاح الجوّ السعوديّ، فيُعتبر أحد أبرز مكامن القوّة لديها. إذ يضمّ نحو 400 طائرة مقاتلة، بينها مقاتلات F-15SA من أكثر نسخ F-15 تطوّرًا، ومقاتلات Eurofighter Typhoon متعدّدة المهام، فضلًا عن أسطول متنوّع من طائرات النّقل، والمروحيّات القتاليّة، والطّائرات المسيّرة. وتمنح هذه القدرات المملكة تفوّقًا جويًّا ملحوظًا في المنطقة، وتمكّنها من تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى.

الدّفاع الصاروخيّ ومنظومة حماية الأراضي
في مواجهة تزايد الهجمات بالطّائرات المسيّرة، والصّواريخ الباليستيّة، طوّرت المملكة العربيّة السعوديّة درعًا جويًّا متعدّد الطّبقات. تنتشر في قمّته بطاريّات THAAD (الدّفاع الجويّ عالي الارتفاع الطرفيّ) القادرة على اعتراض الصّواريخ متوسّطة وبعيدة المدى على ارتفاعات عالية، وتدعمها بطاريّات متعدّدة من طراز Patriot PAC-3، إلى جانب أنظمة دفاع قصيرة، ومتوسّطة المدى، حول المناطق الحيويّة. وتغطّي هذه المنظومة طيفًا واسعًا من التّهديدات، من الطّائرات المسيّرة الصّغيرة إلى الصّواريخ الباليستيّة، رغم أنّ تأمين الأراضي السعوديّة الشّاسعة بكاملها، يبقى تحدّيًا لوجستيًّا كبيرًا بالنسبة إليها.
كما تمثّل القوّة الملكيّة السعوديّة للصّواريخ الاستراتيجيّة، (الفرع المخصّص للصّواريخ الاستراتيجيّة)، عنصر ردع غير مباشر في حال اندلاع نزاع واسع، رغم أنّ قدراتها الهجوميّة موثّقة علنًا بدرجة أقلّ، مقارنة بالدول الّتي تمتلك منظومات باليستيّة متقدّمة.

مخاطر المواجهة المباشرة مع إيران
إذا قرّرت الرّياض التدخّل عسكريًّا ضدّ طهران، ستكون العواقب عميقة، وقد تزعزع استقرار الشّرق الأوسط بشكل كامل. إذ قد تؤدّي مواجهة مباشرة إلى تصعيد إقليميّ، مع احتمال تدخّل ميليشيات لإيران، وحلفاء لها في اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، ما قد يحوّل النّزاع الثنائيّ إلى سلسلة من الجبهات الممتدّة.
وعلى الصّعيد الاقتصاديّ، سيؤثّر أي تصعيد على أسواق النّفط العالميّة، إذ تُعتبر المملكة واحدة من أكبر مصدّري النّفط في العالم، وأي اضطّراب قد يؤدّي إلى ارتفاع سريع في أسعار الطّاقة. كما ستشكّل البنى التحتيّة النفطيّة، الّتي سبق أن استهدفتها هجمات الطّائرات المسيّرة، أهدافًا محتملة في حال نزاع طويل.
تحافظ دول غربيّة متعدّدة، لا سيّما الولايات المتّحدة، على وجود عسكريّ في المنطقة، بما في ذلك قوّات متمركزة في قاعدة الأمير سلطان الجويّة في السعوديّة، الّتي تضمّ أنظمة دفاعيّة، وأفرادًا أميركيّين لدعم القدرات السعوديّة.
وعلى الصّعيد الانسانيّ، قد يؤدّي نزاع مسلّح واسع إلى خسائر كبيرة في صفوف المدنيّين والعسكريّين، إلى جانب حركات نزوح جماعيّة. أمّا سياسيًّا ودبلوماسيًّا، فقد يزيد أي تحرّك سعوديّ من الاستقطاب الإقليمي، ويعقّد التّعاون مع الدول العربيّة والغربيّة الأخرى.
في الوقت الرّاهن، تبدو الرّياض ماضية في نهج يجمع بين الرّدع، والضّغط الدبلوماسيّ؛ إذ يعزّز إظهار القدرة والإرادة على الردّ العسكريّ من موقعها الاستراتيجيّ، من دون الانجرار بالضّرورة إلى مواجهة مباشرة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us