ما هو السّبيل إلى إنهاء حرب؟

ترجمة هنا لبنان 21 آذار, 2026

كتب Charles Chartouni لـ “Ici Beyrouth”:

يبدو سقوط النّظام الإيراني ظاهرة معقّدة، تتشابك فيها عوامل دقيقة، بعيدة كلّ البعد عن السّيناريوهات الخطيّة المعتادة المرتبطة بتغيير الأنظمة. لا يعني هذا أنّ الحرب كانت مغامرة اعتباطيّة، مدفوعة حصرًا بدوافع إيديولوجيّة، أو حسابات انتهازيّة صاغها السياسيّون المنتمون إلى طرفيْ النّزاع، أي إيران وخصومها. فقد شكّلت العواقب، المقصودة منها وغير المقصودة، جزءًا من المشهد الاستراتيجيّ منذ البداية.
سيكون التّفكير بعكس ذلك ضربًا من النّفاق والسّذاجة. فقد هدفت خطّة المجزرة الافتتاحيّة في السّابع من تشرين الأوّل 2023 إلى خلق ديناميّة حرب شاملة لا نهاية لها، حيث تميّز زعزعة النّظام الاقليميّ، وتفشّي الحروب الأهليّة، والتطرّف الايديولوجيّ النّظام الجيوسياسيّ المنشود. ويشكّل هذا المسار، الّذي ليس ابتكارًا، نتيجة للخطّة الأصليّة الّتي رسمها قاسم سليماني حين وضع ترتيبات “المنصّة الاستراتيجيّة الموحّدة”، وآليّات تنفيذها، المركّزة على النّواة المشرقيّة (لبنان، وسوريا، والعراق، وغزة، والأراضي الفلسطينيّة)، فضلًا عن الأطراف اليمنيّة البعيدة، ومجالاتها المرتبطة.
أمّا الهجوم الاسرائيليّ المضادّ، الّذي تبلور في خلال العقديْن الماضييْن، وتلا حرب 2006 في لبنان، فقد هدف إلى مواجهة التحدّيات الّتي طرحتها الاستراتيجيّة الايرانيّة، ورسم معالم نظام مضادّ متعدّد الرّكائز. ويتعدّى ما يُطرح موضع تساؤل، المعادلات العسكريّة، ليشمل أيضًا السرديّات السياسيّة والاستراتيجيّة الّتي تقوم عليها، لا سيّما الطّريقة الّتي تؤثّر بها هذه السرديّات في النّزاعات الجارية، وديناميّات القوّة في المنطقة.
وهكذا، لا يشكّل سيناريو الأبواب الدوّارة نتيجة عرضيّة لمسار غير متوقّع، بل نتيجة مباشرة لاستراتيجيّة مقصودة، تهدف إلى تدمير منصّات تشغيل تكتيك التّخريب الايرانيّ، وإعادة تشكيل المشهد الجيوستراتيجيّ، وإعادة تعريف المسلّمات الجيوسياسيّة في الشّرق الأوسط. ويرتبط انهيار النّظام السياسيّ العربيّ بين الدول بعجز نماذج حكمه، وهشاشة أنماط توافقه المدنيّ، وفشل الإرث ما بعد الامبراطوريّ (العروبة، والإسلامويّة، وأشكال الاستبداد المختلفة)، واتّساع مجال العدميّة، والعنف، والفراغات السياسيّة. فكيف يمكن تفسير العنف الّذي ترعاه الدولة، إن لم يشكّل نتيجة العدميّة المتخفّية في ثوب إسلامويّة سياسيّة قمعيّة؟
وعند مراجعة أحداث نهاية القرن، نصطدم بفشل الحداثة العربيّة والاسلاميّة في إنشاء أنظمة سياسيّة قائمة على الدستوريّة، والتّوافقات المتقاطعة، والتعدديّة، وأبسط أشكال المدنيّة، والعجز عن معالجة النّزاعات عبر حلول خطابيّة، سواء في الدول، أو في ما بينها؛ ويُعتبر الصّراع العربيّ-الاسرائيليّ مثالًا بارزًا على ذلك. ليس رفض الدبلوماسيّة، واعتماد خطاب الشّيطنة، مجرّد صدفة، بل ليست التحوّلات الدمويّة في النّزاعات سوى نتائج حتميّة لسيناريو مرسوم مسبقًا. والسّؤال الأوّل الّذي ينبغي طرحه هو ما إذا كانت هذه التطوّرات الدراميّة قابلة للتّفادي، أم أنّ التكيّف مع إملاءات هذه الجيوسياسيّة سيكون السّبيل الأفضل للحفاظ على السّلام، ومعالجة القضايا المستمرّة المرتبطة بالتعدديّة النزاعيّة، والقوميّة الإثنيّة، وما يتفرّع عنها من سياسات عامة.
تفسّر نهاية الخلافة، وفشل الدولة الإقليمية، وعودة الامبرياليّة الإسلاميّة المفاجئة، إلى جانب مضادّاتها الإيديولوجيّة، وبدائلها الاستراتيجيّة، التّعقيدات المتزايدة وتطوّراتها. لقد أخفقت الدبلوماسيّة في السّنوات الثّلاث الماضية، في التّعامل مع الديناميّات المتغيّرة وانعكاساتها. ويعود هذا الفشل أساسًا إلى هيمنة السرديّات الامبراطوريّة، وغرابة إسرائيل الجيوسياسيّة، والعداء الإيديولوجيّ المستمرّ المتمثّل في تمثيلات ثنائيّة، وفوارق فكريّة غير قابلة للتّسوية. لقد انتهت النّزاعات الرّاهنة إلى التّشكيك في الأسس الاستراتيجيّة والفكريّة لما تبقّى من جيوسياسيّة الشّرق الأوسط، كاشفة عن عدم الاستقرار، والتّحالفات المتبدّلة الّتي تتحدّى البنى التقليديّة للقوّة في المنطقة.
ليس من قبيل المصادفة أن تؤدّيَ صراعات، يُفترض أن تكون محدودة النّطاق في الشّرق الأدنى، إلى تعديل الديناميّات الجيوستراتيجيّة، والسياسيّة، في منطقة فقدت نقاط ارتكازها. لقد انخدعت الامبرياليّة الشيعيّة الإيرانيّة بمكاسبها التكتيكيّة، وبضعف الأنظمة العربيّة، وبغموض نظام دوليّ ناشئ. أمّا الهجوم المضادّ الاسرائيليّ، فقد دشّن ديناميّة استراتيجيّة جديدة، انتهت إلى تدمير نظام جيوسياسيّ شرق أوسطيّ متداعٍ، مع أركانه.
سيقضي حتمًا الوضع الفوضويّ هذا على النّفوذ الإيرانيّ عبر الطّيف الجيوسياسيّ الّذي تحدّده سياسة القوّة الايرانيّة. من جهة أخرى، ينبغي أن تمثّل الهزيمة العسكريّة نهاية حقبة، وتشكّل في الوقت عينه محفّزًا للديناميّات المتغيّرة الّتي تصوغها العوامل الجيوستراتيجيّة الجارية، وتأثيراتها المجتمعيّة والسياسيّة النّاشئة. وتفسح أوهام العروبة الإيديولوجيّة، والإسلامويّة، المجال أمام ديناميّات صغرى، تعيد تشكيل النّقاشات السياسيّة حول مسائل جوهريّة مثل حقوق الإنسان، وتقرير المصير الوطنيّ، والتّشابكات الاقتصاديّة، والتعدديّة الثقافيّة والحضاريّة، والواقعيّة السياسيّة.
يستحيل أن تتراجع الديناميّات الصّاعدة مهما عظمت الصّعوبات، وتشعّبت المسارات. إذ لن يعيد التّفاوض على النّظام الجيوسياسيّ، على الأرجح، النّماذج المتجاوزة، ولا حوامل الامبرياليّات السياسيّة الآيلة إلى التفكّك، لأنّها اندثرت جميعها. ويعيد المسار الفعليّ تعريف التّوازنات السياسيّة، والحضاريّة العالميّة، في عالم فقد مرتكزاته، بينما يعيد في الوقت عينه تأهيل المركزيّة الاسرائيليّة في النّقاشات والتطوّرات الجيوسياسيّة الرّاهنة.
تمثّل هزيمة النّظام الاسلاميّ الايرانيّ، وطموحه الجيوستراتيجيّ القصير الأمد، منعطفًا جيوسياسيًّا وفكريًّا بالغ الأهميّة. ولا يمكن أن تتجاهل الاستراتيجيّة الأميركيّة حجم المشروع القائم، أو أن تعود إلى سياسة الوضع القائم السّابقة، إذ سيساهم ذلك في تقويض التقدّم المُحرز في إعادة تعريف ديناميّات القوّة العالميّة، وفي مواجهة التحديّات الّتي تفرضها التّهديدات الصّاعدة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us