“جسر القاسميّة” برقبة قاسم!

واحد من الدروس الرئيسية في 7 تشرين الأول 2023 (طوفان الأقصى) هي أن إسرائيل بحاجة إلى مناطق عازلة. تحتاج إلى مناطق معقّمة بين مجتمعاتها الحدودية وأعدائها على الجانب الآخر حتى لا تتمكّن القوات من اجتياح الحدود ودخول المجتمعات والقتل والاغتصاب والتشويه والاحتجاز والرهائن، كما حدث في ذلك اليوم المشؤوم من تشرين الأول.
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
حمل النبأ الرسمي عصر أمس حول استهداف إسرائيل بغارة جسر القاسميّة فوق نهر الليطاني على الساحل غرب صور إعلانًا بوفاة الجنوب الذي عرفناه بعد تحريره عام 2000. وأتى النّبأ الحزين بعد ساعات من إنذار إسرائيلي باستهداف أهم جسور النهر والذي لطالما مثّل ارتباط الجنوب بلبنان الكبير.
بدا الأمر عاديًا خلال نهار أمس عندما توالت الأنباء الواردة من إسرائيل حول عزم الدولة العبرية على قطع الشريان الحيوي الأكبر بين جنوب الليطاني وبين سائر لبنان. وعندما وقعت الكارثة لم يدرك لبنان حجم ما نزل به بما يعيده إلى الوراء نحو 26 عامًا عندما سحبت إسرائيل قواتها من القطاع المحتلّ من الجنوب بعد اجتياحها للبنان عام 1982 لطرد القوات الفلسطينية.
تباهى “حزب الله” في أيار عام 2000 بأنّه صاحب نصر تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، لكنّه لم يصدر حتى الآن بيان بأنّه صاحب نصر إعادة احتلال إسرائيل للجنوب.
عاشت أجيال من الجنوبيين منذ إبرام اتفاق القاهرة عام 1969 وهي ترافق زوال سيادة لبنان عن هذا الجزء من لبنان. ودفعت هذه الأجيال ثمنًا هائلًا في الأرواح والممتلكات لكي تشاهد عودة الجنوب مجدّدًا إلى كنف السيادة اللبنانية. والسؤال اليوم: كم من الأعوام أو العقود من السنين ستمرّ بعد 22 آذار 2026 كي يعود الجنوب إلى كنف السيادة اللبنانية مجدّدًا؟
ويقع على عاتق الأحياء من الآن فصاعدًا تسجيل يوميّات النكبة الجنوبية المتجددة.
في يوميّات سقوط جسر القاسمية أمس، كتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر منصة “X”: “نظرًا لأنشطة “حزب الله” ونقل عناصر إرهابية إلى جنوب لبنان برعاية السكان المدنيين يضطر جيش الدفاع إلى القيام باستهداف واسع ودقيق لأنشطة “حزب الله” الإرهابية. بناءً على ذلك، ولمنع نقل تعزيزات ووسائل قتالية ينوي جيش الدفاع مهاجمة جسر القاسمية – جسر الأوتوستراد الساحلي”.
وأضاف: “حرصًا على سلامتكم يجب عليكم مواصلة الانتقال إلى منطقة شمال نهر الزهراني والامتناع عن أي تحرّك جنوبًا الذي قد يعرض حياتكم للخطر”.
ثم عاد وأضاف في منشورٍ آخر: “متابعةً لإنذاراتنا انتبهوا أيها اللبنانيون: بناءً على أنشطة “حزب الله” ولمنع نقل تعزيزات ووسائل قتالية ينوي جيش الدفاع مهاجمة جسر القاسمية – جسر الأوتوستراد الساحلي. حرصًا على سلامتكم يجب عليكم مواصلة الانتقال إلى منطقة شمال نهر الزهراني والامتناع عن أي تحرّك جنوبًا الذي قد يعرض حياتكم للخطر”.
تحت عنوان “إسرائيل تأمر بتدمير جسور في لبنان ومنازل قرب الحدود”، كتبت وكالة “رويترز” من تل أبيب تقريرًا جاء فيه: “قال يسرائيل كاتس وزير الدفاع الإسرائيلي الأحد (أمس) إنّ الجيش تلقّى أوامر بتدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني التي قال إنّها تستخدم في “أنشطة إرهابية”. وأضاف أنّ ذلك يهدف لمنع مقاتلي “حزب الله” من الوصول بأسلحتهم إلى الجنوب. وأضاف أن الجيش تلقّى تعليمات بتسريع وتيرة هدم منازل اللبنانيين في “قرى على جبهة القتال” لتحييد تهديدات تواجهها مناطق سكنية في إسرائيل”.
ووصف كاتس هذا النّهج بأنه مشابه للنموذج الذي استخدمه الجيش الإسرائيلي في بيت حانون ورفح في قطاع غزّة حيث أنشأ مناطق عازلة بإزالة وهدم بنايات قرب الحدود. وذكر مكتب كاتس أنّ الوزير أدلى بهذه التصريحات بها خلال اجتماع مع رئيس هيئة الأركان بالجيش ومسؤولين كبار آخرين.
وفي 13 آذار، دمّر الجيش الإسرائيلي جسرًا فوق نهر الليطاني للمرة الأولى في الحرب الحالية وقال إنّ “حزب الله” يستخدمه، ودمّر جسرَيْن آخرَيْن في 18 من الشهر الحالي. والتقى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في القدس الجمعة الماضي، وأخبر الصحافيين بأنّه عبّر عن تحفّظات فرنسا بشأن عملية برية “واسعة النطاق وطويلة الأمد”.
وقال بارو إنه حثّ مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين على إيجاد حلٍّ دائمٍ، مشيرًا إلى عدم إمكانيّة تحقيق ذلك بالقوة العسكرية وحدها. وفي وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، حذّر كاتس الحكومة اللبنانية من أنها ستشهد أضرارًا في البنية التحتية وستخسر بعض الأراضي ما لم يتم نزع سلاح “حزب الله”. وحظّرت الحكومة اللبنانية الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله” وأبدت رغبتها في خوض محادثات مباشرة مع إسرائيل.
قبل أيام من القضاء على آخر جسور التواصل بين جنوب الليطاني وشماله، نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية تقريرًا جاء في مقدمته أن إسرائيل “ترى فرصةً لتغيير الوضع بشكل كبير على حدودها الشمالية أيضًا”. وقال التقرير: “واحد من الدروس الرئيسية في 7 تشرين الأول 2023 (طوفان الأقصى) هي أن إسرائيل بحاجة إلى مناطق عازلة. تحتاج إلى مناطق معقّمة بين مجتمعاتها الحدودية وأعدائها على الجانب الآخر حتى لا تتمكّن القوات من اجتياح الحدود ودخول المجتمعات والقتل والاغتصاب والتشويه والاحتجاز والرهائن، كما حدث في ذلك اليوم المشؤوم من تشرين الأول. ولهذا السبب تم إنشاء منطقة عازلة – تتكوّن أساسًا من حوالي نصف قطاع غزّة – في ما يسمّى بالمنطقة الصفراء داخل غزّة. ولماذا تمّ إنشاء منطقة عازلة تمتدّ إلى الكيلومترات داخل سوريا على طول الحدود الشمالية الشرقية، لمنع داعش أو أي شخص آخر من الاقتراب من المجتمعات الإسرائيلية في الجولان”.
الآن جاء دور لبنان. عندما انضم “حزب الله” إلى الحرب في 2 آذار بإطلاق صواريخ على إسرائيل، منح القدس فرصةً لفعل شيء فشل في فعله في الماضي: إنهاء تطهير “حزب الله” من جنوب لبنان. بدأت إسرائيل هذا العمل خلال عملية سهام الشمال في خريف 2024، حيث انتقلت من قرية إلى أخرى، ومن منزل إلى آخر، ولكن عندما تمّ التوصل إلى وقف إطلاق نار في تشرين الثاني، توقّفت قبل اكتمال العمل. بموجب شروط وقف إطلاق النار هذا، كان من المفترض أن تُنهي الحكومة اللبنانية – وخاصة الجيش اللبناني – المهمّة. كما يوضح استمرار إطلاق النار من جنوب لبنان، لم يحدث ذلك – بغضّ النظر عمّا ادّعت بيروت في الوقت عينه.
والآن، تسعى إسرائيل، التي وسّعت عملياتها البرّية في لبنان هذا الأسبوع، إلى إنهائها. لكن الهدف ليس فقط تفكيك “حزب الله” جنوب نهر الليطاني. بل هو إعادة تشكيل المنطقة على طول الحدود – لتطهير جزءٍ من الأراضي بحيث لا يمكن للقرى الواقعة ضمن مدى إطلاق النار على الحدود أن تعرّض مجتمعات مثل المطلة وشلومي وكريات شمونة للخطر. تمامًا كما حدث ضدّ “حماس” في غزّة ورفح وبيت حنون ومناطق كبيرة أخرى تمّ تحييدها”.
شاءت الأقدار أن تكون هناك صلة لفظية بين جسر القاسمية ونعيم قاسم الأمين العام لـ”حزب الله”. لكن الصلة العمليّة بين الجانبيّن أن الأخير يتحمّل كامل المسؤولية عن أسوأ أقدار جنوب لبنان الذي حلت به بدءًا من الأمس ولأجيال مقبلة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
“فرار” الحزب ترافقه الكوارث! | قاسم إلى منفى الأسد الروسي! | لبنان أقوى من إيران |




