لبنان بين هدنة 1949 ونيران 2026… حنينٌ إلى الرّدع المفقود!


خاص 23 آذار, 2026

يبقى مصير “الحزب” مرتبطًا بمآلات المواجهة الإقليمية الكبرى مع إيران. أي تراجع في نفوذ طهران سينعكس مباشرة على دور الحزب، ما يفتح الباب أمام تحوّلات داخلية عميقة، قد تُعيد رسم التوازنات السياسية في لبنان.

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

يستعيد لبنان اليوم، واحدةً من أبرز محطاته المفصليّة: توقيع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل عام 1949 في رأس الناقورة، برعاية الأمم المتحدة، بعد حرب 1948. يومها، لم تكن اتفاقية 23 آذار، مجرّد وقف لإطلاق النار، بل شكلت إطارًا لضبط الحدود، ورسمت ما عُرف بـ”الخط الأخضر”، وكرّست توازنًا هشًّا لكنّه فعّال، جنّب لبنان الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة لعقود.

اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، يبدو أنّ لبنان يدفع ثمن الانقلاب التدريجي على تلك المعادلة. فالدولة التي كانت، ولو شكليًّا، تُمسك بقرارها السيادي، باتت عاجزةً عن ضبط إيقاع الحرب والسلم. ومع دخول المواجهة في الجنوب أسبوعها الرابع، يتكرّس واقع أنّ القرار لم يعد بيد المؤسسات الشرعية، بل بات مرتبطًا بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، وتضع لبنان في قلب صراع لا يملك أدوات التأثير في مساره أو نتائجه.

أمس، تخطّت التطوّرات الميدانية نطاق الاشتباكات السابقة. جنوب الليطاني يتحوّل تدريجيًّا إلى ساحة عمليات، البنية التحتية تُستهدف، والرسائل العسكرية تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية. في المقابل، يقف لبنان الرسمي في موقع المتفرّج، يكتفي بمواقف دبلوماسية خجولة، فيما يتعزّز اقتناع المجتمع الدولي بأنّ الدولة فقدت القدرة على فرض سيادتها أو تنفيذ التزاماتها.

من هنا، تعود إلى الواجهة الدعوات لتفعيل القرار 1701، حتّى تحت الفصل السابع، في محاولةٍ لإعادة ضبط الوضع عبر مظلّة دولية أكثر صرامة. إلّا أنّ هذه الطروحات تصطدم بواقع جديد، حيث لم تعد المقاربات التقليدية، القائمة على قرارات الأمم المتحدة، كافية للتعامل مع تحولات إقليمية بهذا الحجم.

في هذا السياق، يُقدّم أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية – الأميركية، البروفيسور عماد سلامة، قراءةً مختلفةً للمشهد. فهو يرى أنّ ما يجري اليوم يتجاوز لبنان كملف منفصل، ويدخل ضمن إعادة رسم شاملة للتوازنات في المنطقة. ويلفت إلى أنّ إسرائيل لم تعد معنيةً بإحياء القرار 1701 أو العودة إلى منطق الهدنة، بل تتّجه نحو فرض ترتيبات جديدة تنطلق من موازين القوى التي ستفرزها الحرب.

هذه المقاربة، كما يوضح سلامة، قد تفتح الباب أمام نموذج مختلف لإدارة الصراع، يتجاوز الأمم المتحدة نحو أطر تنسيقية جديدة، يُشار إليها بـ”مجلس السلام”، حيث تتولّى القوى الكبرى رسم قواعد اللعبة، فيما تتراجع قدرة الدول الصغيرة على التأثير في مصيرها.

الأخطر أنّ الرؤية المطروحة لمستقبل جنوب لبنان لا تقوم على التفاوض مع الدولة اللبنانية، بل على فرض واقع جديد: مناطق عازلة، ترتيبات أمنية خاصة، وربّما إعادة توزيع للأدوار على الأرض، بما يحدّ من قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها جنوب الليطاني. وفي هذه المعادلة، قد يجد لبنان نفسه خارج طاولة القرار، يتلقّى نتائج تسويات لا يشارك في صياغتها.

أمّا مصير “حزب الله”، فيبقى مرتبطًا بمآلات المواجهة الإقليمية الكبرى مع إيران. أي تراجع في نفوذ طهران سينعكس مباشرة على دور الحزب، ما يفتح الباب أمام تحوّلات داخلية عميقة، قد تُعيد رسم التوازنات السياسية في لبنان.

بين مشهد 1949 ومشهد 2026، تتّضح المفارقة: في الأولى، نجح لبنان في تثبيت معادلة هدنة وفّرت له استقرارًا نسبيًّا لعقود. أمّا اليوم، ومع سقوط تلك المعادلة عمليًّا، يجد نفسه أمام واقع أكثر قسوة، حيث لا ضمانات ولا توازنات، بل ترتيبات تُفرض عليه بقوة النار.

هكذا، لا يبدو أن لبنان متجه نحو استعادة ما خسره، بل نحو مرحلة جديدة، قد تكون أكثر كلفة، وأقلّ قدرة على تحقيق أي من المكاسب التي وفّرتها له اتفاقية الهدنة… يوم كانت الدولة، ولو بالحدّ الأدنى، حاضرة في القرار.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us