مضيق هرمز: صدمة تتجاوز النفط… ولبنان في قلب الهشاشة الاقتصادية

لبنان من أكثر الدول العربية هشاشة. قد لا يكون الانهيار مفاجئًا، لكنّه يظهر على شكل تآكلٍ تدريجيّ للقدرة الشرائية، وارتفاع إضافي في الأسعار، وزيادة في كلفة الحياة اليومية، وتراجع في هوامش الأمان لدى الأسر والمؤسسات.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في كلّ مرة يتصاعد فيها التوتّر في مضيق هرمز، يذهب الكثيرون مباشرةً إلى سؤال واحد: كم سيرتفع سعر النفط؟
لكن هذا السؤال، على الرغم من أهميته، يبقى قاصرًا إذا اختصرنا الأزمة في سعر البرميل فقط. فمضيق هرمز ليس مجرّد ممرّ بحري للطاقة، بل هو أحد أهم مفاصل الاستقرار الاقتصادي في العالم. وأي اضطراب ممتدّ فيه لا ينعكس على أسواق النفط وحدها، بل يفتح الباب أمام سلسلةٍ من الارتدادات المالية والتجارية والنقدية تمتدّ من الخليج إلى المشرق، ومن الأسواق العالمية إلى موائد النّاس اليومية.
وإذا تحوّلت الأزمة من توتّر سياسي محدود إلى تعطيل فعلي أو شبه مستمرّ لأسابيع أو أشهر، فإنّنا أمام إعادة تسعير شاملة للمخاطر في الشرق الأوسط، خصوصًا للدول التي تعتمد مباشرةً أو غير مباشرةٍ على تدفّقات الطاقة والتجارة والتمويل الإقليمي.
وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي منير راشد لـ”هنا لبنان” إنّ “أي تصعيدٍ ممتدٍّ في أزمة مضيق هرمز لن يكون مجرّد حدث جيوسياسي عابر، بل صدمة اقتصادية إقليمية ودولية متعدّدة المسارات، تبدأ من الطاقة ولا تنتهي عند أسواق المال والقدرة الشرائية للمواطنين”.
وأضاف راشد: “إيران نفسها ستكون من أول المتضرّرين اقتصاديًّا إذا طال أمد الأزمة، على الرغم من أن ارتفاع أسعار النّفط قد يوحي ظاهريًّا بوجود مكاسب آنية. صحيح أنّ سعر البرميل سيرتفع، لكن القدرة على التصدير ستتراجع كثيرًا بسبب تعطيل المضيق والتأمين المُكلف على الشحن، والنّقص في المستوردات الضرورية. فالسّلع الغذائية والمواد الأساسية سترتفع أسعارها بسبب ارتفاع النّقل والنفط والتأمين، وبالتّالي تصبح النتيجة سلبية على صافي الإيرادات الإيرانية، على الرغم من ارتفاع أسعار النفط”.
وأشار إلى أنّ “الاقتصاد الإيراني سيواجه ضغوطًا إضافيةً على سعر صرف الريال نتيجة تراجع تدفّقات العملة الصعبة، وارتفاع الطلب المحلّي على الدولار، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، مع انعكاسٍ مباشرٍ على معدّلات التضخّم الداخلي، خصوصًا في أسعار الغذاء والدواء والسلع المستوردة، وتآكل متسارع في القدرة الشرائية للأسر”.
وأضاف راشد: “إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، فإنّ لها وقعًا عالميًّا. ارتفاع أسعار النفط يرفع التضخّم، ما يضطرّ الدول الغربية، وخاصةً الولايات المتحدة وأوروبا، إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخّم وتقليل الطلب. وارتفاع الفائدة سيكون له أثر عكسي في الحركة الاقتصادية والاستثمار والإنتاج، ما يؤدّي إلى ركود اقتصادي إضافي، لا سيما إذا صاحَب ذلك نقص في النّفط الخام الضروري للقطاعات الصناعية والتجارية والزراعية. والأثر يمتد إلى الاقتصاد العالمي ككلّ”.
وأوضح أيضًا: “ارتفاع أسعار الفائدة سيؤثر في أسواق المال، فستتجه الاستثمارات نحو سندات الخزينة في الولايات المتحدة وأسواق أخرى، بسبب ارتفاع العائد، ما يغيّر هيكلية الاستثمار وينقل جزءًا من السيولة من الأسهم والأسواق المالية إلى السندات الحكوميّة ومتوسطة الأجل”.
وعن الأضرار في المنطقة، أكد راشد أنّ “الدول الأكثر تضرّرًا اقتصاديًّا ستكون الأكثر اعتمادًا على المرور البحري عبر الخليج والأقل امتلاكًا لبدائل تصدير، مثل العراق والكويت، إضافةً إلى قطر من زاوية صادرات الغاز، والبحرين من زاوية ارتفاع كلفة التمويل وتراجع الاستثمار”.
في المقابل، أوضح أن “الدول التي قد تحقّق استفادةً نسبيةً ومؤقتةً هي السعودية والإمارات وعُمان، لكن شرط أن تبقى الأزمة ضمن نطاق التّعطيل الجزئي لا الشلل الكامل. فالسعودية والإمارات تملكان بدائل تصدير عبر خطوط أنابيب وموانئ خارج المضيق، ما يمنحهما هامشًا أعلى لالتقاط أثر ارتفاع الأسعار، بينما تستفيد عمان نسبيًّا من موقعها اللوجستي وخدمات الموانئ”.
وشدّد على أن “بدائل التصدير الخليجية مهمّة لكنها ليست كافية لامتصاص صدمة طويلة الأمد. فهي تخفف جزءًا من الخسائر، لكنّها لا تعوض كامل الكمّيات ولا تحلّ مشكلة الغاز القطري، كما أنّ الموانئ البديلة نفسها قد تتحوّل إلى نقاط اختناق إذا استمرّت الأزمة”.
وحذّر راشد من أنّ “السيناريو الممتد سيؤدّي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وزيادة كلفة التأمين والشحن، وتراجع نسبي في الاستثمار الأجنبي، وارتفاع تقلّبات أسواق المال، مع ضغوطٍ على قطاعات الطيران والنقل والعقار والتجزئة”.
وأضاف: “الأثر الاجتماعي بالغ الحساسية، إذ إنّ المواطن لن يستفيد تلقائيًّا من ارتفاع أسعار النفط، حتّى في الدول المصدّرة، لأنّ الصدمة تنتقل عبر ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات والسلع المستوردة. وفي الاقتصادات الضعيفة أو المرتفعة الاعتماد على الاستيراد، تتحول الأزمة سريعًا إلى موجة غلاء تضرب الدّخل الحقيقي وتضعف الاستقرار المعيشي”.
لبنان في قلب الهشاشة الاقتصادية
وبخصوص لبنان، شدّد راشد على أنّ “من المهم جدًّا أن يفهم اللبنانيون أن أزمة مضيق هرمز لا تحتاج إلى أن يكون لبنان دولة نفطية حتّى تضربه بقوة”، موضحًا أن “لبنان من أكثر الاقتصادات هشاشةً في المنطقة، ولذلك فإنّ أيّ صدمة تتحوّل بالنسبة إليه إلى صدمة مضاعفة، ليس لأنه يصدّر النفط، بل لأنه يستورد كل شيء تقريبًا تحت ضغط عملة ضعيفة واقتصاد متعب ومؤسسات مالية محدودة القدرة على التدخل”.
وقال: “أوّل ما سيتأثر في لبنان إذا تصاعدت الأزمة هو فاتورة الطاقة. وحتى لو لم يكن الارتفاع فوريًّا، فإنّ كلفة استيراد المحروقات سترتفع، ما يزيد الضغط على أسعار البنزين والمازوت، وعلى كلفة النقل وتشغيل المولدات الكهربائية”.
وأضاف: “المسألة أوسع من الوقود، فالارتفاع يطال الكهرباء الخاصّة، وتبريد وتخزين المواد الغذائية، وتشغيل المؤسسات الصغيرة، والإنتاج الزراعي والصناعي، والخدمات اليومية من المستشفيات إلى الأفران والمتاجر. أيّ اضطراب في المضيق يمكن أن يتحوّل إلى موجة تضخم معيشية جديدة حتى لو كان بعيدًا جغرافيًّا”.
وأكّد: “الخطر الثاني هو التضخّم المستورد، لأن لبنان يستورد نسبةً كبيرةً من غذائه واحتياجاته. أي ارتفاع في الشحن أو الطاقة يرفع الأسعار قبل وصولها إلى السوق المحلية، ما يزيد من الضغط على القدرة الشرائيّة”.
وأشار إلى “الخطر الثالث، وهو الضغط النفسي والنقدي على السوق، فالخوف من الأزمة يزيد الطلب على الدولار ويضغط على الاستقرار النسبي في سعر صرف الليرة”.
ولفت راشد إلى “أثر التحويلات والاستثمار والسياحة، فالتوتّر الطويل قد يُبطئ النشاط الخليجي، ويؤثر في السفر والاستثمارات والإنفاق الموسمي من المغتربين، وكلّها عناصر أساسية للاقتصاد اللبناني”.
وختم راشد: “لبنان ليس على هامش الأزمة، بل من أكثر الدول العربية هشاشة. قد لا يكون الانهيار مفاجئًا، لكنّه يظهر على شكل تآكل تدريجي للقدرة الشرائية، وارتفاع إضافي في الأسعار، وزيادة في كلفة الحياة اليومية، وتراجع في هوامش الأمان لدى الأسر والمؤسسات. أزمة مضيق هرمز، إذا طالت، تُعيد تسعير المخاطر في الشرق الأوسط. الرّابح محدود ومؤقت، والخاسر الأكبر غالبًا هو الاستقرار الاقتصادي الإقليمي والقدرة الشرائية للمواطن العادي. لذا احتواء التصعيد بسرعة ليس مطلبًا أمنيًّا فقط، بل ضرورة اقتصادية ملحة”.




