السّفير الإيرانيّ غير مرغوب فيه: ما خيارات لبنان إذا رفض المغادرة؟

ترجمة هنا لبنان 26 آذار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

أثار قرار وزارة الخارجيّة اللبنانيّة، يوم الثلاثاء، إعلان السّفير الإيرانيّ في بيروت، محمّد رضا شيباني، “شخصًا غير مرغوب فيه”، تساؤلات واسعة، وفي مقدّمها تداعيات احتمال رفضه مغادرة الأراضي اللبنانيّة.

وقد تبلّغت البعثة الإيرانيّة رسميًّا هذا القرار، مع تحديد مهلة تنتهي في التّاسع والعشرين من آذار لمغادرة لبنان.

من النّاحية القانونيّة، يستند هذا الإجراء إلى اتفاقيّة فيينا للعلاقات الدبلوماسيّة لعام 1961، الّتي يشكّل لبنان طرفًا فيها. وتنصّ المادّة التّاسعة منها بوضوح على حقّ الدولة المضيفة، “في أي وقت، ومن دون شرح الأسباب”، في إعلان أي دبلوماسيّ شخصًا غير مرغوب فيه، والتزام الدولة الموفِدة، أي إيران، باستدعائه أو إنهاء مهامه.

بذلك، تتحرّك بيروت ضمن إطار قانونيّ راسخ ومعترف به دوليًّا. ورغم أنّ القرار لا يعني بالضّرورة قطع العلاقات الدبلوماسيّة، فإنّه يحمل دلالات سياسيّة بالغة، لا سيّما في ظلّ تصاعد التوتّر، واتّهام السّلطات اللبنانيّة لطهران بانتهاك الأعراف الدبلوماسيّة، والتدخّل أمنيًّا عبر حزب الله.

رفض المغادرة: سيناريو قانونيّ ممكن… لكنّه يثير الخلافات

ماذا لو رفض السّفير المغادرة ضمن المهلة المحدّدة؟ تعالج اتفاقيّة فيينّا هذا الاحتمال بوضوح. فإذا لم تبادر الدولة الموفِدة إلى استدعاء دبلوماسيّها “في خلال مهلة معقولة”، يحقّ للدولة المضيفة سحب الاعتراف به كعضو في البعثة، ما يعني فقدانه لصفته الدبلوماسيّة، عمليًّا.

في هذا السّياق، يوضح المحامي سعيد مالك، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth إنّه “ومتى انقضت المهلة، تصبح إقامة السّفير الإيرانيّ في لبنان غير قانونيّة وغير مبرّرة”. ويضيف إنّ “الأجهزة الأمنيّة مُلزمة بتنفيذ قرار الدولة، والعمل على ترحيله فور تحديد مكانه، أو توقيفه”.

غير أنّ تنفيذ هذا المسار يصطدم بقيود أساسيّة في القانون الدوليّ. ففقدان الصّفة الدبلوماسيّة لا يعني تلقائيًّا توقيف المعنيّ، أو ترحيله فورًا. إذ يبقى، ما دام في مقرّ البعثة، محميًّا بضمانات صارمة، تشمل حرمة شخصه، والحصانة القضائيّة، وحرمة مقرّ السّفارة.

ويشدّد مالك على أنّ “القوى الأمنيّة اللبنانيّة لا يمكنها، تحت أي ظرف، دخول السّفارة لتوقيفه، أو إجباره على المغادرة”، استنادًا إلى مبدأ حرمة مقرّات البعثات الدبلوماسيّة المنصوص عليه في اتفاقيّة فيينّا.

فإلى أي حدّ يمكن أن تذهب الدولة اللبنانيّة؟ بعد انتهاء مهلة التّاسع والعشرين من آذار في هذه الحالة، وسحب الصّفة الدبلوماسيّة رسميًّا منه، قد يصبح المعنيّ خاضعًا للقانون اللبنانيّ، من النّاحية النظريّة، حينئذٍ، تُكلَّف القوى الأمنيّة بملاحقة أدقّ تحرّكاته، لأنّ خروجه من نطاق السّفارة يعني أنّه بات عرضة للاعتقال.

مع ذلك، يبقى هذا السّيناريو استثنائيًّا، وحسّاسًا جدًّا من النّاحية السياسيّة، وقد يؤدّي إلى شبه قطيعة على مستوى العلاقات الدبلوماسيّة.

ضغوط داخليّة

بمعزل عن الإطار القانونيّ الدوليّ، يحمل القرار في طيّاته احتمالات ارتداد داخليّ سريع.

وبحسب معطيات غير مؤكّدة، قد يتّجه “الثنائيّ الشيعيّ” إلى تعليق مشاركته في الحكومة، ومقاطعة جلسات مجلس الوزراء، بما في ذلك الجلسة المرتقبة اليوم الخميس عند السّاعة الثّالثة عصرًا، في خطوة تندرج ضمن تصعيد سياسيّ مباشر، للضّغط على السّلطة التنفيذيّة.

من النّاحية الدستوريّة، لا يؤدّي انسحاب أي مكوّن حكوميّ إلى إسقاط الحكومة تلقائيًّا. إلّا أنّ انعقاد مجلس الوزراء في غياب “الثنائيّ الشيعيّ” قد يُفسَّر كأنّه مساس بروح الميثاق الوطنيّ، الّذي يشكّل، رغم عدم تكريسه نصًّا، ركيزة أساسيّة في شرعيّة القرارات الحكوميّة.

ويطرح مالك احتمالًا إضافيًّا، مشيرًا إلى أنّ “استقالة وزراء حزب الله ردًّا على القرار، تبقى خيارًا مطروحًا”، وإن بقيَ حتّى الآن في إطار الاحتمال غير المرجّح.

سابقة تاريخيّة

يستحضر المشهد الرّاهن سابقة تعود إلى عام 1983، في ذروة الحرب الأهليّة، حين شكّل لبنان ساحة مفتوحة لتقاطع النّفوذ الخارجيّ، والصّراعات الداخليّة المسلّحة.

ففي أعقاب تفجيرات الثّالث والعشرين من تشرين الأوّل الّتي استهدفت القوّات الأميركيّة والفرنسيّة، ضمن القوّة متعدّدة الجنسيّات في بيروت، وحصدت مئات القتلى، وجدت الدولة اللبنانيّة نفسها أمام خيارات بالغة الحساسية تحت ضغط أمنيّ، ودبلوماسيّ كثيف.

آنذاك، حاولت الحكومة قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع إيران، وطرد دبلوماسيّيها، ما أثار اعتراضًا حادًّا على مستوى البيئة الشيعيّة بقيادة حركة أمل وحزب الله. وعلى طريق المطار، اعترضت حشود موكب الدبلوماسيّين، ومنعت مغادرتهم، فيما وجّه علماء دين شيعة إنذارًا إلى الحكومة، مانحين إياها مهلة شهر للتّراجع عن القرار.

في المحصّلة، اضطرّت الحكومة إلى التّراجع. وبعد أسابيع، في السّادس من شباط 1984، فرض نبيه بري سيطرته على بيروت الغربيّة، بالتّوازي مع انشقاق عناصر شيعيّة من اللّواء السّادس في الجيش اللبنانيّ.

ورغم الفارق الزمنيّ، تبدو أصداء تلك المرحلة حاضرة اليوم. فالقرارات الدبلوماسيّة، حتّى عندما تستند إلى قواعد القانون الدوليّ، تبقى رهينة توازنات داخليّة دقيقة، حيث يمكن لأي خطوة محسوبة أن تنزلق سريعًا إلى أزمة سياسيّة مفتوحة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us