لبنان: النّجاة من حرب لا جبهة لها

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:
في لبنان، لم نعد نرى الحرب دائمًا، لكنّنا نشعر بها. تتسلّل إلى المدن، وإلى العلاقات، وإلى النّفوس. تختفي خطوط المواجهة، ويترسّخ الشّعور بانعدام الأمان، مستحضرًا ذاكرات قديمة لم تلتئم تمامًا أبدًا.
امتلكت الحرب يومًا جغرافيا مرسومة. خطّت الحرب حدودًا، وحدّدت جبهات، ووزّعت أراضٍ. ورغم قساوتها، كانت ملامح الخطر سهلة القراءة. وكنّا ندرك، إلى حدّ ما، أين لا يسعنا الذّهاب.
أمّا اليوم، فاختفت تلك الخريطة، وتلاشى مع اختفائها أي وهم بالأمان.
لم تعدِ الحرب تندلع بعيدًا، ولم تعد تنحصر في مناطق يمكن تجنّبها، أو الالتفاف حولها، بل باتت تتسلّل اليوم إلى تفاصيل حياتنا اليوميّة، فتفرض حضورها في صميم هذه الحياة حتّى. وباتت الحرب تفاجئنا بظهورها، من دون أي إنذار مسبق.
ضربة في شارع تجاريّ. واغتيال في وضح النّهار. واستهداف سيارة. وفجأة، ينقلب كل شيء رأسًا على عقب.
ما نشهده في لبنان ليس مجرّد تصاعد في وتيرة العنف، بل اختفاء معالم العنف، ومعه استحالة التنبّؤ به. ما من شيء ثابت.
وحين تتلاشى الحدود بين الهدف وعابر السّبيل، يغدو كل مكان موضع شكّ، ويتحوّل كل فعل عاديّ إلى مواجهة محتملة مع الخطر. في المقهى، وفي الشّارع، وفي المبنى… يبدو كل شيء طبيعيًّا، إنّما قد ينقلب في لحظة إلى تهديد.
حتّى أنّ مفهوم “المنطقة الآمنة” بات من الماضي. لم يعد يعكس أي واقع. لم نعد نعيش فعلًا، بل نتأقلم، باستمرار.
بالنسبة إلى من عاشوا الحرب الأهليّة، ثمّة شعور يعود، لكنّه ليس ذكرى محدّدة، بل إحساس أعمق وأكثر غموضًا؛ إحساس بعالم فقد معالمه، عالم لم يعد فيه الخطر خارجيًّا لأنّه أصبح حاضرًا في الدّاخل. في المدينة، وفي الأحياء، وأحيانًا في المباني. إنّه المنطق عينه الّذي يظهر من جديد اليوم، بأشكال مختلفة، إنّما بالقسوة عينها.
لا تستهدف الحرب مواقع محدّدة فحسب، بل تمتزج بالنّسيج العمرانيّ، وتذوب فيه، وتتحرّك حتّى في الفضاءات المدنيّة. لم تعدِ الجبهات تتحرّك كما في السّابق، بل ها هي الأهداف تفعل. تتنقّل، وتغيّر مواقعها، وتختبئ في مناطق مأهولة، وأحيانًا حتّى في أحياء بعيدة عن بيئتها المعتادة، من دون تنبّه المقيمين لوجودها. وفي أغلب الأحيان، لا أحد يعلم بها.
هنا، يبلغ الخطر أقصى درجاته.
حين يتحرّك مقاتلون، سواء انتموْا إلى حزب الله أو إلى الحرس الثوريّ الايرانيّ، بين المدنيّين، يغدو الفضاء مكشوفًا بكليّته، ويصبح كل من فيه عرضة للخطر، بغض النّظر إن كان راغبًا بما يجري، أو ملمًّا به. ما من أحد في مأمن.
يتجلّى ذلك أحيانًا في ضربة محدّدة الهدف، إنّما، وحين يُعتبر الهدف استراتيجيًّا، يأتي الردّ أقسى. قد يُستهدف مبنى بالكامل. وأحيانًا، أكثر. يتحوّل هذا المبنى حينئذٍ إلى نقطة استهداف محتملة، وينقلب مكان عاديّ فجأة إلى مسرح للعنف، من دون إنذار قاطنيه، أو العاملين فيه، أو من يمرّ صدفة. يكفي أن يكون المرء هناك… في اللّحظة الخطأ.
لا يغيّر هذا التحوّل الحرب وحدها، بل يغيّر المجتمع في العمق، ويبدّل نظرة الأفراد إلى محيطهم، وإلى الآخرين من حولهم. تنشأ ريبة خفيّة، ويصبح الجار موضع شكّ. ليست هذه أوهامًا، بل تكيّف مع واقع متقلّب، يصعب قراءة علاماته، ويهيمن عليه عنصر المفاجأة. يحاول فيه المرء استباق الأحداث، غير أنّنا نعجز عن التنبّو بما هو عصيّ على التنبّو.
تنشأ هنا حالة استنزاف بطيء، إنّما عميق، سببها استحالة فهم الواقع، أو معرفة ما يتعيّن التمسّك به، أو فهم ما يدور حولنا. لا شيء واضح، ولا شيء مؤكّد.
ومع مرور الوقت، تتزعزع الرّوابط بين الناس، إذ تقوم الثّقة على وضوح ما في العالم وفي المواقف، وعندما يتلاشى هذا الوضوح، تتوتّر العلاقة مع الآخر ثم تنكمش. ويقلّص كل امرئ ظهوره، ويتفتّت المجتمع، ويغدو مجرّد تراكم لانعزالات وتحصينات، بعد أن شكّل نسيجًا حيًّا.
مع ذلك، تستمرّ الحياة، أو هكذا يبدو.
الشّوارع نابضة بالحياة، والمتاجر مفتوحة أمام زوّارها، والحياة سائرة في مسارها “الطبيعيّ”. غير أنّ هذه الحالة قائمة على جهد دائم، خفيّ تقريبًا، بهدف الصّمود رغم كل ما يحصل. إنّها يقظة مستمرّة، لا تهدأ ولا تنطفئ.
يعيش الناس مع فكرة أنّ أي شيء قد يحدث. في أي مكان. وفي أي وقت. ولأي كان. لا تختفي هذه الفكرة أبدًا، حتّى لو لم تعبّر عنها الكلمات.
يزداد الوضع تعقيدًا بسبب عدم وضوح المسؤوليّات: ففي هذه الحرب المموّهة، تتلاشى الخطوط، ويتفرّق روّاد الحرب، ويصبح من الصّعب تسمية ما يحدث، ويسود ضباب كثيف. وفي وسط هذا الضّباب، يغدو العنف احتمالًا دائمًا، ويصبح الخطر جزءًا من الحياة اليوميّة، أشبه بنوع من الرّوليت الروسيّة المزمنة.
هكذا هو العيش في لبنان: توازن هشّ، قد ينقلب فيه “العيش المشترك”، في لحظة، إلى “موت مشترك”.




