شقّة مستهدفة… جيران معرّضون

ترجمة هنا لبنان 26 آذار, 2026

كتب Makram Haddad لـ”Ici Beyrouth“:

حتّى لو بدت الضّربة موجّهة إلى شقّة واحدة، لا يتوقّف الخطر على الجيران عند الجدار المقابل. ففي المبنى المتضرّر، يرتكز الخطر في الجهاز التنفسيّ: الجسيمات، والغازات السامّة، وتهيّج الشُّعب الهوائيّة، وتفاقم الحالات لدى مرضى الرّبو، والقلب، وكبار السنّ. وقبل أن يعرف أحد نوع القذيفة، أو المادّة المستخدمة، يفرض اليقين نفسه: في المبنى المملوء بالدّخان، الخطر جماعيّ.
في مطاردتها لكوادر حزب الله، تستهدف إسرائيل الشّقق السكنيّة. ولكن عندما تصيب الضّربة مسكنًا، يتعدّى الخطر نقطة الاصطدام، وقد ينتقل الدّخان، والجسيمات، والغازات المهيّجة إلى الجيران أيضًا. خلقت ضربات آذار 2026 الإسرائيلية على بيروت وضواحيها مشهدًا بات مألوفًا: نقطة إصابة، وشقّة أو طابق مدمّر، ثمّ يغمر الدّخان المبنى بأكمله. يطرح هذا المشهد سؤالًا جوهريًّا: إذا كانت الضّربة قد استهدفت مسكنًا واحدًا، إلى أي مدى قد يصل الخطر إلى الجيران؟ الجواب أقلّ صخبًا من دويّ الانفجار، لكنّه أكثر خفاء: نعم، قد يتعرّض الجيران للخطر بسرعة، وأحيانًا بشكل كبير، من دون أن يُصابوا مباشرة. في مثل هذه الحالات، يشكّل الخطر الأوّل الموثّق الخطر التنفسيّ، قبل أي نقاش حول طبيعة الذّخيرة المستخدمة.

ماذا يستنشق الجيران فعليًّا؟
عندما تصيب ضربة شقّة سكنيّة، يتعدّى الخطر نقطة الاصطدام. بالنسبة إلى الجيران، ليس الخطر الأوّل بالضّرورة سلاحًا كيميائيًّا بالمعنى القانونيّ، بل الدّخان بحدّ ذاته، وخطره الفوريّ. توضح الدّكتورة كارول يواكيم، اختصاصيّة أمراض الرّئة والحساسية في مستشفى جبل لبنان، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth: في مكان مغلق أو شبه مغلق، يمكن أن يشبع الحريق الهواء بالجسيمات الدّقيقة، والغازات المهيِّجة، والمواد السامّة النّاتجة عن احتراق المواد في المسكن. الأبواب، والبلاستيك، والدّهانات، والأقمشة، والكابلات، والأثاث، والأجهزة الكهربائيّة… يحترق كل شيء في الوقت عينه، محوّلًا الهواء إلى خليط مضرّ. حتّى لو بدت الضّربة محدودة ومركّزة، قد يصبح الهواء خطيرًا في غضون دقائق في الطّوابق المجاورة.
وتشير يواكيم إلى أنّ الأعراض الأكثر شيوعًا تشمل السّعال، وتهيّج العيون والحلق، والصّفير في أثناء التنفّس، وضيق النّفس، ونوبات الرّبو. والأشخاص الأكثر عرضة هم مرضى الرّبو، ومرضى الانسداد الرئويّ المزمن، ومرضى القلب، والأطفال، وكبار السنّ، والنّساء الحوامل. فبالنسبة إلى هؤلاء، حتّى لو كانت فترة تعرّضهم للدّخان قصيرة جدًّا، قد يؤثّر ذلك على وضع مستقرّ حتّى الآن.
مع ذلك، تمتنع طبيبة الرّئة عن تأكيد زيادة واضحة وموثّقة في الحالات المرتبطة مباشرة بالحرب. وتذكّر بتأزّم الوضع قبل التّصعيد الحاليّ، نتيجة التلوّث بسبب المولّدات، وحركة السيّارات، وانتشار التّدخين بشكل كبير. كما أنّ الحساسية الموسميّة بدأت تظهر من جديد، رغم أنّ الطّقس لم يصبح بعد ربيعيًّا بامتياز. بمعنى آخر، كان الجهاز التنفسيّ هشًّا أصلًا، ما يعقّد أي قراءة عن زيادة محتملة في الحالات.

ما نعرفه وما نجهله
مع ذلك، يتعيّن تجنّب الاستنتاجات السّريعة. إذ لا يثبت مجرّد وجود مبنى يملؤه الدّخان، بمفرده، استخدام أي مادّة محظورة. فقد ينتج الدّخان عن انفجار تقليديّ، أو حريق في شقّة، أو احتراق مواد البناء. ومن دون شظايا ذخيرة، أو تحاليل سميّة، أو تحقيق ميدانيّ، أو خبرة باليستيّة، سيشكّل تحديد طبيعة المادّة المستخدمة حدْسًا أكثر منه صحافة دقيقة.
بمعنى آخر، ينبغي اختيار المصطلحات بحذر. يمكن توثيق الخطر التنفسيّ الفوريّ، ووصف الأعراض والفئات الأكثر عرضة، والإجراءات المتعيّن اتّباعها. إنّما لا يمكن، بالاستناد إلى عمود من الدّخان الرماديّ فوق مبنى، أن نتكلّم عن استخدام سلاح كيميائيّ أو ذخيرة محظورة.

عندما يدخل الفوسفور الأبيض على الخطّ
يتغيّر الوضع إذا توافرت مؤشّرات جديّة تشير إلى استخدام الفوسفور الأبيض. وهذا بالضّبط ما وثّقته منظّمة هيومن رايتس ووتش في التّاسع من آذار، مؤكّدة استخدام الجيش الاسرائيليّ ذخائر الفوسفور الأبيض في انفجار جويّ فوق منطقة سكنيّة في يُحمر، جنوب لبنان، ووصفت هذا الاستخدام بغير القانونيّ والعشوائيّ.
وهنا أيضًا، لا بدّ من الدقّة. فالفوسفور الأبيض ليس محظورًا في جميع الظّروف كمادّة بحدّ ذاتها، لكنّ القانون الدوليّ الإنسانيّ يمنع استخدام الأسلحة الحارقة ضدّ المدنيّين والممتلكات المدنيّة. إذًا، لا تتعلّق القضيّة بما يحترق فحسب، بل بمكان استخدام المادّة، وكيفية استخدامها، ومن المستهدَف. كما لا يُستبعد أن تطلق الصّواريخ، أو القذائف، أو القنابل، أو الدّوافع الصاروخيّة الأخرى، عند الاصطدام والاحتراق، مواد أخرى مهيّجة أو سامّة.

الأثر الصحيّ
من النّاحية الصحيّة، يضرّ الدّخان النّاتج عن الفوسفور الأبيض العيون، والجهاز التنفسيّ، وقد تظهر بعض الآثار متأخّرة. وهذه نقطة مهمّة: فقد يتأثّر الشّخص مباشرة عند التعرّض، بينما قد تظهر مضاعفات أخرى لاحقًا.

المنعكس الطبيّ… وليس البطولة
في مشاهد مماثلة، تكون التّوصيات بسيطة وواضحة: الخروج لتنشّق هواء أنقى إذا كان ذلك ممكنًا، من دون المرور عبر دخان كثيف، وتجنّب استخدام المصعد، وعدم لمس أي حطام مشبوه. كما يتعيّن مراجعة الطّبيب فورًا عند الشّعور بضيق في التنفّس، أو ألم في الصّدر، أو صفير في أثناء التنفّس، أو شعور بالإعياء، أو تفاقم حالة الرّبو. أمّا الأشخاص الأكثر هشاشة، فليبتعدوا عن البطولات: لأنّ المبنى المملوء بالدّخان ليس مجرّد خلفيّة للحرب، بل يشكّل فعلًا حالة طارئة بالنسبة إلى الجهاز التنفسيّ منذ اللّحظة الأولى.
الدّرس قاس لكنّه واضح: ففي ضربة تُسمّى “محدّدة”، لا تستطيع الدقّة العسكريّة محو أثر الهواء الملوّث. قد يكون الهدف شقّة واحدة، لكنّ الانفجار، والدّخان، والقصبات المأخوذة على حين غرّة، تتجاوز سريعًا حدود المشهد المعلن. وفي بلد يعيش أصلًا على حافّة الانهيار العصبيّ، لا يحتاج الأمر أحيانًا إلى أكثر من ممرّ يغمره الدّخان، ليتحوّل الجيران إلى ضحايا جانبيّين صامتين.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us