الذهب يتحدّى القواعد: ارتفاعه مع الحديث عن السلام وانخفاضه مع الحرب!

يبقى تنويع المحفظة الاستثمارية الخيار الأفضل لتخفيف المخاطر، خصوصًا في ظلّ التقلّبات الحادّة التي تشهدها الأسواق العالمية اليوم.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
تشهد أسعار الذهب في الآونة الأخيرة تقلّبات حادّة تعكس حجم الاضطراب الذي يُخيّم على الأسواق العالمية، في ظلّ تصاعد التوتّرات الجيوسياسية من جهةٍ، وتزايد الحديث عن احتمالات التوصّل إلى تسويات أو مفاوضات قد تضع حدًّا للحرب مع إيران من جهةٍ أخرى. وبين مَن يعتبر الذهب الملاذ الآمن الأول في أوقات الأزمات، ومَن يراقب حركة المستثمرين في الأسواق المالية بحثًا عن مؤشّرات المرحلة المقبلة، يبقى المعدن الأصفر في قلب المشهد الاقتصادي العالمي، متأثّرًا بكل تطوّر سياسي أو عسكري أو نقدي.
فالذهب، الذي لطالما ارتبط بالصراعات والمخاوف والتقلّبات الكبرى، لا يتحرّك اليوم وفق قاعدة واحدة أو اتجاه ثابت، بل بات يخضع لمعادلةٍ أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الحرب، وأسعار الفائدة، وسلوك المستثمرين، وقوة الدولار، والتوقّعات بشأن الاقتصاد العالمي. واللّافت في المرحلة الحالية أنّ المشهد لا يسير بالضرورة وفق القاعدة التقليدية التي تربط بين التصعيد الجيوسياسي وارتفاع الذهب تلقائيًّا، إذ إنّ بعض المؤشرات توحي بأنّ مجرّد التقدّم نحو إنهاء الحرب قد يدفع الأسعار إلى المزيد من الارتفاع، في حين أنّ استمرارها، في ظروفٍ معيّنةٍ، قد يضغط على المعدن النفيس بدل أن يعزّز مكاسبه.
هذا التناقض الظّاهري يفتح الباب أمام أسئلة أساسية حول طبيعة حركة الذهب اليوم، وما إذا كان لا يزال يحتفظ بدوره الكلاسيكي كملاذٍ آمنٍ، أو أنّه بات أكثر ارتباطًا بتوقّعات الأسواق الكبرى ومزاج المستثمرين العالميين. فماذا وراء هذه التقلّبات؟ ولماذا قد يرتفع الذهب مع الحديث عن السلام، ويتراجع في ظلّ استمرار الحرب؟
من هنا، يؤكّد محلل أسواق المال والأستاذ الجامعي ميشال صليبي لـ”هنا لبنان” أنّ ردود الفعل الأخيرة للأسواق المالية، سواء في الأسهم أو العملات أو المعادن النفيسة مثل الذهب والفضة، تعكس بوضوح أولوية المستثمرين الحالية، والتي تتمثّل في متابعة تأثير الحرب ومضيق هرمز في أسعار النفط. ويُشير صليبي إلى أنّ هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر في التضخّم العالمي، إذ يؤدّي أي ارتفاع قوي ومستدام في أسعار النفط إلى ضغوطٍ تضخميّةٍ تؤثر في الاقتصاد العالمي ككلّ.
ويُضيف صليبي أنّ الارتفاع القوي والمستدام في أسعار النفط على الصعيد العالمي وضع السوق في حالة ترقّب، إذ لم تخفّض المصارف المركزية، وعلى رأسها الفيدرالي الأميركي، أسعار الفائدة، بل أبقت عليها مستقرّةً عند مستوياتها الحالية. ويشير صليبي إلى أنّ هذا الوضع له تأثير مباشر في أسعار الذهب، إذ كان أحد المحرّكات الأساسية للارتفاعات القوية للذّهب في العامَيْن الأخيرَيْن هو توقّع السوق أن المصارف المركزية، وخصوصًا الفيدرالي، ستخفّض الفوائد، ممّا عزّز جاذبية الذهب كملاذٍ آمنٍ.
وأوضح صليبي أنّه مع بدء الحرب، شهدنا ارتفاعًا في أسعار الذهب كرد فعلٍ أوليّ، قبل أن يتراجع لاحقًا، نتيجة المخاوف من الارتفاع القوي لأسعار النفط، ما يُبيّن أنّ أولوية السوق في تلك المرحلة كانت لمواجهة التضخّم أكثر من اعتباره ملاذًا آمنًا فوريًّا.
يشير صليبي إلى أنّ الذهب يظلّ في جوهره أداةً للمستثمرين للتأمين ضدّ المخاطر، فهو يُشترى خوفًا من المستقبل ويُباع أحيانًا خوفًا من الحاضر. ويُضيف أنّ النصيحة للمستثمر طويل الأمد هي التركيز على أساسيّات السوق بدل الانشغال بالتقلّبات اليومية، مؤكّدًا أنّه خلال هذه الفترة يمكن ترك بعض السيولة لتعزيز المراكز، خصوصًا إذا كان المستثمر يعزّز محفظته الاستثمارية في الذهب بشكلٍ دوريٍّ كلّ شهر.
أمّا بالنسبة للمتداولين قصيري الأمد، فيُشير صليبي إلى ضرورة الانتباه الشديد لتقلّبات السوق، وإدارة الصفقات بحذر، موضحًا أنّ كل صفقة لن تضمن أرباحًا، خاصّةً في ظلّ مواجهة السوق لتقلّبات مفاجئة يوميًّا وساعةً بعد ساعة، وهو ما قد يؤثّر بشكل كبير في مسار الأسعار.
وبحسب الخبراء، يبقى تنويع المحفظة الاستثمارية الخيار الأفضل لتخفيف المخاطر، خصوصًا في ظلّ التقلّبات الحادّة التي تشهدها الأسواق العالمية اليوم. فبتوزيع الاستثمارات بين أصول مختلفة، مثل الذّهب والعملات والأسهم، يمكن للمستثمر أن يحدّ من الخسائر في حال تراجع أحد هذه الأصول، ويضمن لنفسه درجةً أكبر من الأمان المالي.




