البيئة المُضيفة الهدف التالي للحزب!


خاص 30 آذار, 2026

بقاء الجيش الإسرائيلي في عمق المنطقة سيستمرّ لعدة أشهر على الأقل، وربّما لسنوات، وحتّى في حال التوصّل إلى وقف لإطلاق النار، فإنّ الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المنطقة حتى يتمّ نزع سلاح الحزب.

كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:

أظهّر “حزب الله” في الآونة الأخيرة لامبالاة بمصير البيئة المضيفة وخصوصًا في بيروت. فهل ستنال هذه البيئة ما نالته البيئة الحاضنة التي اعتبرها الحزب مسرحًا لمشروعه الذي تضمّن سلسلة حروب آخرها تلك التي لا تزال تدور منذ الثاني من آذار الحالي؟

تدفّق مئات الآلاف من مناطق البيئة الحاضنة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع الشرقي، بعدما تحوّلت إلى مسرح للأعمال الحربية التي فرضت نزوحًا قسريًّا على هذا العدد الضخم من سكان هذه المناطق. وبات واضحًا أن هذه المناطق الشاسعة من لبنان لن تكون آمنة طالما أنّ هذه الحرب مستمرة.

نالت بيروت قسطًا وافرًا من النّزوح لا سيما من الضاحية الجنوبية، ويستطيع المرء أن يعاين مباشرة حجم هذا النزوح إذا ما جال على شوارع المدينة وأحيائها وأزقتها التي تحوّلت إلى مرآبٍ للسيارات التي فرّ بها النازحون فضلًا عن اكتظاظ أماكن النزوح بهم ما حوّل بيروت منذ 2 آذار الجاري إلى مدينة تشبه مدن آسيا وأميركا اللاتينية حيث أعداد البشر فيها أشبه بالطوفان.

فوجئت بيروت الجمعة الماضي ببيان أصدره “حزب الله” حول قيامه بإطلاق صاروخ أرض – جو من المدينة باتجاه طائرة حربية إسرائيلية. لم تُفد المعلومات الأمنية بأنّ صاروخ الحزب أدّى إلى أي نتيجة. لكنّه أحدث في المقابل، صدمة متعدّدة الوجوه بسبب تجرّؤ “حزب الله” على إعلان بيروت منصةً لصواريخه التي أدّى مثيلها إلى خراب مناطق بيئته الحاضنة بشكل مريع.

وأفادت معلومات إعلامية بأنّ إطلاق الصاروخ تم من محيط المطار. وأشار اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، في تصريح لصحيفة “الشرق الأوسط”، إلى أنّ “وجود مثل هذه الصواريخ في محيط مطار بيروت يشكّل خطرًا جديًّا على سلامة الطيران المدني”، مستذكرًا حادثة إسقاط طائرة مدنية في إيران قبل أعوام نتيجة إطلاق صاروخ عن طريق الخطأ، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا.

أثار الحادث بلبلة واسعة تناولت عمل مطار رفيق الحريري الدولي فسارعت وزارة الأشغال والنقل، أمس، إلى إصدار بيان أكدت فيه أن المطار “يعمل بشكل طبيعي ولا قرار بإقفاله”. لكنّ البيان لم يتطرّق لا من قريب ولا من بعيد لحادث إطلاق صاروخ “حزب الله”، وهذا أمر مفهوم باعتبار أنّ الجواب يجب أن يصدر عن الجهات الأمنية.

يُعيدنا هذا التطوّر الأمني الذي يتصل باستخدام “حزب الله” بيروت مسرحًا لعمله الأمني إلى حربَيْنِ سابقتَيْنِ كان الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله يتولّى خلالهما الدور القيادي. وتعود الحرب الأولى إلى عام 2006 والمعروفة بحرب تموز والتي استمرّت أسابيع قبل أن تضع أوزارها في آب من ذلك العام. ويُفيد أرشيف تلك الحرب بأنّ نصر الله هدد في 3 آب 2006 في عزّ احتدام الحرب في كلمة متلفزة بثّتها قناة “المنار” التابعة للحزب بقصف تل أبيب إذا أقدمت القوات الإسرائيلية على قصف العاصمة اللبنانية بيروت. وفي المقابل، هدّدت إسرائيل بتدمير كل البنى التحتية اللبنانية إذا ضربت عاصمتها. وممّا جاء في كلمة نصر الله: “إذا قصفت عاصمتنا فسوف نقصف عاصمة كيانكم، إذا قصفتم بيروت فسنقصف تل أبيب، والمقاومة قادرة على ذلك”.

وفي أول رد فعل إسرائيلي على تهديد نصر الله نقل التلفزيون الإسرائيلي عن مسؤول عسكري كبير أنّ الجيش سيدمّر كل البنى التحتية في لبنان إذا تعرّضت إسرائيل للقصف”.
وتشير وقائع تلك الحرب اللاحقة إلى أنّ تهديدات نصر الله والرد الإسرائيلي عليها بقيت في الإطار الكلامي.

أمّا الحرب الثانية فهي التي شنّتها إسرائيل عام 2024 وأدّت إلى اغتيال نصر الله في أيلول من ذلك العام. وتحدّث الإعلام الإسرائيلي عن أن الأمين العام لـ”حزب الله”، قد وضع معادلة في آب 2024 مفادها بأنّ ما يجري لبيروت سيجري لتل أبيب. وفي هذا السياق، رأت مصادر أمنيّة وُصِفَت بأنّها واسعة الاطلاع في تل أبيب أنّ ردّ “حزب الله” على اغتيال قائدهِ العسكريّ، فؤاد شكر، سيكون أكثر عنفًا وقساوةً من الردّ الإيرانيّ على اغتيال رئيس المكتب السياسيّ بحركة حماس في العاصمة طهران، إسماعيل هنية. لكنّ هذه الأحداث لم تؤدِّ إلى دخول بيروت إلى دائرة المواجهات بين “حزب الله” وإسرائيل وانتهت تلك الحرب ومعها نصر الله وبقيت بيروت خارج دائرة الصراع.

هل تكون الثالثة ثابتة فيقدم الأمين العام الحالي للحزب الشيخ نعيم قاسم على ما لم يفعله سلفه التاريخي طوال أكثر من 3 عقود تولى فيها قيادةَ هذه المنظّمة؟

قبل الجواب، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ إسرائيل تمضي في الحرب الحالية حتّى القضاء على سلاح “حزب الله”. وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أمس، بأنّ “الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من جنوب لبنان حتى يتمّ نزع سلاح حزب الله”. وقال مصدر أمني للصحيفة: “ندرك أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن نزع سلاح حزب الله، وأن بقاء الجيش الإسرائيلي في عمق المنطقة سيستمرّ لعدة أشهر على الأقل، وربّما لسنوات، وحتّى في حال التوصّل إلى وقف لإطلاق النار، كما تقول المؤسّسة العسكرية، فإنّ الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المنطقة”.

ونعود إلى السؤال حول سلوك “حزب الله” في بيروت انطلاقًا من حادث إطلاق الصاروخ الجمعة الماضي. هل سيورّط الحزب العاصمة اللبنانية، وهو ما لم يفعله نصر الله في حربَيْ 2006 و2024؟ أجاب الحزب بنفسه جزئيًّا على هذا السؤال عندما جرّ لبنان إلى حرب 2026 التي أتت على مناطق بيئته الحاضنة من دون أن يرفّ له جفن حتّى الآن. فهل سيقدم “حزب الله” في حشرة الحرب الدائرة حاليًا على ما يلحق البيئة المضيفة في بيروت وغيرها بكارثة بيئته الحاضنة التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ؟.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us