البترودولار مقابل البترويوان: هل بدأ التحوّل الكبير؟!

كتبت Liliane Mokbel لـ”Ici Beyrouth“:
قد تُعيد الحرب في إيران رسم ملامح الاقتصاد العالميّ. فخلف التّصعيد العسكريّ، تتبلور إعادة تشكيل صامتة لكنّها حاسمة: نظام البترودولار يترنّح، فيما يواصل البترويوان توسيع نطاق حضوره. وتنوّع دول الخليج تحالفاتها، وتسرّع الصّين وتيرة تدويل عملتها، بينما يتصاعد التّشكيك في مكانة الدولار كركيزة للنّظام الماليّ العالميّ.
حرب اقتصاديّة لا تقلّ ضراوة عن العسكريّة
منذ اندلاعها، لم تقتصر الحرب في إيران على الميدان العسكريّ، بل اندرجت ضمن مواجهة اقتصاديّة واسعة ذات أبعاد عالميّة. وقد تكشف المرحلة الرّاهنة، وفق “دويتشه بنك”، أكبر مصرف أوروبيّ، عن اختلالات بُنيويّة عميقة في نظام البترودولار، مع “تداعيات جسيمة” على استخدام الدّولار في التّجارة الدوليّة والاحتياطيّات العالميّة.
ويذهب بعض المحلّلين إلى مقارنة الوضع بأزمة السّويس عام 1956، حين سرّع نزاع إقليميّ تراجع النّفوذ البريطانيّ. وبالمنطق عينه، قد تمثّل الحرب الحاليّة لحظةً فاصلةً في النّظام الاقتصاديّ الدوليّ الّذي تقوده الولايات المتّحدة.
ركائز البترودولار تحت الضّغط
يقوم نظام البترودولار تاريخيًّا على ثلاثة أعمدة: مركزيّة النّفط في الاقتصاد الأميركيّ، وتسعير الطّاقة بالدّولار، والشّراكات الأمنيّة بين واشنطن ودول الخليج.
ومنذ نهاية الحرب العالميّة الثّانية، أحكمت الشّركات الأميركيّة قبضتها على جزء معتبر من الاحتياطيّات العالميّة، ما عزّز أمن الطّاقة الأميركيّ ونفوذه الجيوسياسيّ. وحتّى بعد موجات التّأميم بين ستينيّات القرن الماضي وثمانينيّاته، ظلّ الدّولار عملةً محوريّةً لا غنى عنها.
وكما تشير “رويترز”، يُعاد تدوير الفوائض النفطيّة عبر القنوات الماليّة الأميركيّة، بما يدعم استقرار دول الخليج الاقتصاديّ.
إلّا أنّ هذا التّوازن بات اليوم أكثر هشاشةً من أي وقت مضى.
الخليج على أعتاب تحوّل استراتيجيّ
في ظلّ التوتّرات الاقليميّة المتصاعدة، تُعيد دول الخليج تقييم اعتمادها التاريخيّ. ويرى دويتشه بنك أنّها قد تتّجه إلى مراجعة تحالفاتها العسكريّة، وتوسيع شراكاتها الاقتصاديّة نحو آسيا، لا سيّما الصّين والهند.
ولا يقتصر هذا التحوّل على البعد الأمنيّ، بل يمتدّ إلى صميم النّماذج الاقتصاديّة في المنطقة، الّتي لا تزال مقوّمةً بالدّولار، ومدعومةً باحتياطيّات ضخمة. ومن شأن تنويع العملات والأصول الماليّة، حتّى وإن حصل بشكلٍ تدريجيٍّ، أن يحدّ من هيمنة العملة الأميركيّة.
نحو نظام نقديّ أكثر تعدديّة
في هذا السّياق، يبرز صعود اليوان الصينيّ كعامل مفصليّ. فبكين تكثّف جهودها لتدويل عملتها وتقليص اعتمادها على الدّولار، متحدّية تدريجيًّا الهيمنة الأميركيّة على التّجارة العالميّة.
ومن المتوقّع أن تكتسب عملات أخرى، مثل الروبية الهنديّة واليورو، دورًا متناميًا في معاملات الطّاقة. وتشير رويترز إلى اتّجاه نحو نظام أكثر تنوّعًا، تتقاسم فيه عملات مختلفة دورها في تجارة النّفط، ما يقوّض احتكار الدّولار.
اليوان يقتحم تجارة الطّاقة
بدأت ملامح هذا التحوّل بالظّهور. فبعد هجوم إسرائيليّ على حقل بارس الجنوبيّ للغاز، أعلنت إيران أنّها ستسمح بمرور ناقلات النّفط والغاز عبر مضيق هرمز إذا كانت الشّحنات مُسعّرة باليوان الصينيّ فحسب.
يعكس هذا القرار، الّذي يحمل دلالةً رمزيّةً وسياسيّةً كبيرةً، سعي طهران إلى اختبار حدود نظام البترودولار، والالتفاف على العقوبات الأميركيّة. كما يجسّد اتّجاهًا أوسع نحو بروز عملات بديلة في تجارة الطّاقة العالميّة.
نظام اقتصاديّ جديد في طور التشكّل
قد تدفع هذه الديناميّة دول مجلس التّعاون الخليجيّ، بحسب “غولدمان ساكس”، إلى تسريع تنويع تحالفاتها الاقتصاديّة والأمنيّة، بما يقلّص اعتمادها التاريخيّ على واشنطن.
وعلى المدى الأبعد، إذا أسهمت صدمة الطّاقة النّاتجة عن الصّراع الحاليّ في تسريع التحوّل نحو مصادر طاقة بديلة، قد تكون تداعيات ذلك على البترودولار أعمق بكثير.
في هذا الإطار، قد لا تكون الحرب في إيران مجرّد حدث جيوسياسيّ عابر، بل نقطة تحوّل نحو نظام اقتصاديّ عالميّ جديد، نظام قد يتقاسم قيادته، ولو جزئيًّا، البترويوان.
مواضيع ذات صلة :
السعودية تدعو من دافوس إلى إعادة صياغة نهج الاقتصاد العالمي | 5 عوامل رئيسية تُحدّد شكل الاقتصاد العالمي.. ما هي؟ | البنك الدولي: استقرار النمو العالمي خلال العام الجاري |




