بوديّة الذي لم يشذّ عن أخلاق الممانعة!

إيران لا تُحارب جامعةً. إيران تحارب نموذجًا. تُحارب فكرة أن يكون في هذا الشرق مكان لا تسيطر عليه، ولا تكتب مناهجه، ولا تحدّد سقف صوته. والجامعة الأميركية في بيروت هي هذا المكان بالضبط.
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
ليست الجامعة الأميركية في بيروت مجرّد جامعة. هي فكرة. فكرة لبنان عندما كان لبنان يُنتج، لا يُستَخدم. عندما كان يُعلِّم، لا يُلقَّن. عندما كان يفتح نوافذه على العالم، لا يُغلقها على شعارات جوفاء.
منذ 1866، يوم كانت “الكلية السورية البروتستانتية”، وهذه المؤسّسة تشتغل على صناعة الإنسان الحرّ. من هنا مرّ أطباء أنقذوا حياة، ومفكّرون أنقذوا معنى، وسياسيون – نعم، حتّى سياسيون – حاولوا أن ينقذوا دولة. هذه الجامعة لم تكن يومًا حياديةً، كانت دائمًا منحازةً: للعلم، للحرية، ولِحَقِّ الفرد بأن يفكّر خارج القطيع.
وهنا المشكلة.
في قاموس إيران والممانعين، الحرية تهمة، والجامعة خطر، والطالب مشروع متمرّد يجب ضبطه. لذلك، لا يعود مستغربًا أن يخرج علينا فادي بوديّة بخطابٍ يلامس التحريض، وكأنّ ضرب الفكرة يمرّ حكمًا عبر ترهيب حاملها. هكذا ببساطة: إن لم تخضع الجامعة، تُكسر. وإن لم يصمت الطالب، يُرعب.
أمّا ما قاله فادي بودية، فهو ليس مجرّد موقف سياسي، بل انزلاق فاضح إلى خطاب غرائزي يُسقِط عنه صفة الصحافة، ويضعه في خانة التحريض الإعلامي.
إنّه التحريض نفسه على الشعب السوري وتأييد البراميل المتفجرة. إنّه توزيع الحلوى عندما اغتالوا جبران تويني.
حين يتحوّل الصحافي إلى مروّج للترهيب بدل أن يكون حارسًا للنقاش، فهو لا يُسيء فقط إلى نفسه، بل إلى المهنة بأكملها. هذه اللغة التي تستسهل التهديد تكشف خواءً فكريًّا عميقًا، وتعكس عجزًا عن مواجهة الحجّة بالحجّة، فيُستعاض عنها بالصوت العالي والإيحاء بالقوة.
هذه ليست زلّة لسان. هذا منطق. منطق منظومة تعرف جيدًا أنّ أي مساحة حرّة هي تهديد وجودي لها. لأنّ الطالب الحرّ أخطر من أي خصم سياسي. لأنّه ببساطة لا يُشترى ولا يُخاف.
إيران لا تُحارب جامعةً. إيران تحارب نموذجًا. تُحارب فكرة أن يكون في هذا الشرق مكان لا تسيطر عليه، ولا تكتب مناهجه، ولا تحدّد سقف صوته. والجامعة الأميركية في بيروت هي هذا المكان بالضبط.
المسألة، إذًا، ليست دفاعًا عن حرم جامعي. المسألة دفاع عن آخر ما تبقّى من لبنان الذي نعرفه. لبنان الذي لا يُدار بالبيانات الخشبية ولا بالتهديدات، بل بالعقل.
وعندما يصل التهديد إلى أبواب الجامعة، فاعلم أنّ المعركة لم تعد على السياسة. صارت على الوعي. وعلى الوعي فقط تُربح الحروب… أو تُخسر.
مواضيع مماثلة للكاتب:
الحرب في لبنان لم تبدأ بعد! | هل اقتربت نهاية آيات الله؟ | اغتيال الهوية: القرى المسيحيّة تحت مقصلة مغامرات “الحزب” |




