الالتفاف على مضيق هرمز: أبرز المسارات الممكنة!

ترجمة هنا لبنان 1 نيسان, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

تتكاثر الخطط مع ترسّخ حقيقة جليّة لا تقبل الجدل: كلّما اشتدّ الخناق على مضيق هرمز، ازداد الوعي حول العالم بمدى الاعتماد عليه. في الأيّام الأخيرة، بلغت الأزمة عتبةً جديدةً. لم تعد طهران تكتفي بإطلاق التّهديدات، بل باتت تتّجه إلى إعادة صياغة قواعد الملاحة، ملوّحةً بفرض رسوم عبور قد تصل إلى مليونيْ دولار لكلّ سفينة.
في المقابل، تسعى واشنطن إلى التّهدئة، إذ أكّد الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب مؤخّرًا إنّ الاقتصاد العالميّ قادر على التكيّف حتّى في حال إغلاق المضيق، في تصريح يتناقض بوضوح مع القلق المتصاعد في الأسواق.
ينبغي التّذكير بتوجّه إيران نحو إغلاق المضيق بشكل شبه كامل منذ اندلاع الحرب، ما أحدث صدمة عالميّة. فهذا الممرّ الحيويّ يعبره يوميًّا نحو 20 مليون برميل من النّفط، أي ما يقارب خُمس الامدادات العالميّة. وأي اضطّراب كفيل، مهما بدا محدودًا، بإرباك الأسواق، وإشعال الأسعار، وإجبار بعض المنتجين على خفض إنتاجهم بسبب تعثّر التّصدير، فضلًا عن زعزعة استقرار التّأمين البحريّ وسلاسل الإمداد.
في مواجهة هذا الخطر النظاميّ، تعود بقوّة فكرة الالتفاف على هرمز، ليس كخيار استراتيجيّ، بل كضرورة ملحّة. كيف السّبيل إلى ذلك؟

خطوط الأنابيب القائمة: حلول جزئيّة

البدائل الأولى معروفة، وقد بدأ فعلًا تشغيل بعضها. تعتمد السعوديّة على خطّ أنابيب الشّرق – الغرب، الّذي يمتدّ لأكثر من 1200 كيلومتر، رابطًا حقولها في الخليج بميناء “ينبع” على البحر الأحمر. وقد صُمّم هذا الخطّ منذ ثمانينيّات القرن الماضي لتفادي المخاطر الاقليميّة، وتصل قدرته إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًّا.
في آذار 2026، بلغ تشغيل هذا الخطّ مستوى غير مسبوق. فبعد أن وصلت التدفّقات إلى ما يقارب 770 ألف برميل يوميًّا في كانون الثّاني، قفزت إلى نحو 3 ملايين برميل، في محاولة لتعويض تراجع النّقل البحريّ. على الرغم من هذا التّعزيز في القدرة التشغيليّة، يقتصر التّصدير الفعليّ اليوم على نحو 5 ملايين برميل يوميًّا، بينما يُستهلَك الباقي محليًّا أو ضمن طاقات التّكرير.

أمّا الإمارات العربيّة المتّحدة، فتمتلك بدورها خطّ أنابيب حبشان – الفجيْرة الّذي يتيح تصدير النّفط مباشرة إلى خليج عُمان في خارج المضيق، بطاقة تتراوح ما بين 1.5 و1.7 مليون برميل يوميًّا.
وقد ارتفعت الصّادرات من الفجيْرة مؤخّرًا لتبلغ نحو 1.62 مليون برميل يوميًّا في آذار، مقارنة بـ1.17 مليون في شباط، إلّا أنّ هذا الخطّ يقترب سريعًا من حدوده التشغيليّة.

من جهته، يمكن للعراق الالتفاف، نظريًّا، عبر خطّ كركوك – جيهان باتّجاه تركيا والبحر المتوسّط. غير أنّ هذا المسار لا يعمل بِطاقةقصوى، لعدم ارتباطه الفعّال بحقول الجنوب الّتي يتركّز فيها معظم الإنتاج. وعلى الرغم من قدرته على نقل 1.6 مليون برميل يوميًّا، فإنّه لا ينقل حاليًّا سوى نحو 200 ألف برميل.
بذلك، تصل قدرة هذه المسارات الثّلاثة الاجماليّة إلى نحو 9 ملايين برميل يوميًّا، أي أقلّ من نصف التدفّقات المعتادة الّتي تعبر مضيق هرمز. بعبارة أخرى، حتّى عند تشغيلها بكامل طاقتها، لا تستوعب هذه الخطوط سوى جزء محدود من نحو 20 مليون برميل، يعبر يوميًّا المضيق في الظّروف الطبيعيّة.
يتمثّل عائق آخر في أنّ هذه البدائل ليست دائمًا آمنة، فالبنى التحتيّة البريّة تبقى أهدافًا ثابتة، وهي عرضة لهجمات الطّائرات المسيّرة والصّواريخ، كما أظهرت الهجمات السّابقة على منشآت مختلفة. ففي عام 2019، استهدفت طائرات مسيّرة تابعة للحوثيّين محطّات ضخّ في خطّ الأنابيب السعوديّ، ما أدّى إلى توقّف موقّت. وفي الآونة الأخيرة، طالت الهجمات منشآت الفجيْرة، ما تسبّب في اضطّراب عمليّات الشّحن.
يُضاف إلى ذلك تحدّ آخر: فالالتفاف عبر البحر الأحمر يعني الاعتماد على موقع استراتيجيّ آخر، هو مضيق باب المندب، الّذي يواجه بدوره توتّرات متصاعدة.
ويهدّد الحيوثيّون اليوم هذا الممرّ الضّيق، الّذي لا يتجاوز عرضه 29 كيلومترًا في أضيق نقاطه، ويلوّحون باستئناف هجماتهم على الملاحة. كما ألمح مسؤولون إيرانيّون إلى احتمال تمدّد التّصعيد إليه، ما قد يحوّل هذا المعبر الحيويّ إلى جبهة صراع جديدة.

المشاريع العربيّة الكبرى وعودة سوريا كممرّ استراتيجيّ

إلى جانب الحلول الفوريّة، تعود إلى الواجهة مشاريع أكثر طموحًا، يفرضها إلحاح الواقع الجيوسياسيّ. يسعى العراق إلى إنشاء خطّ أنابيب يربط البصرة بالأردنّ ثمّ بمصر، لفتح منفذ مباشر على البحر المتوسّط. كما تطرح سيناريوهات أخرى مدّ وصلات أوسع عبر السعوديّة باتّجاه البحر الأحمر، أو شمالًا باتّجاه تركيا.
وفي السّياق عينه، تدرس بغداد إنشاء خطّ أنابيب جديد يصل إلى ميناء بانياس السوريّ، بالتّوازي مع مساعٍ لرفع صادراتها عبر تركيا إلى نحو 650 ألف برميل في اليوم. ويأتي هذا التوجّه ضمن استراتيجيّة أشمل لإعادة تأهيل البنية التحتيّة الطاقويّة، في وقت تراجعت فيه صادرات الجنوب العراقيّ بنحو 80% بفعل توقّف التّصدير عبر هرمز، وامتلاء قدرات التّخزين.
غير أنّ التحوّل الأهمّ يتمثّل في عودة سوريا إلى قلب المعادلة الطاقويّة. فقد برزت مبادرات متعدّدة، مدعومة من أطراف عربيّة وغربيّة، لإحياء ممرّ يربط الخليج بالبحر المتوسّط عبر الأراضي السوريّة، في استعادة لفكرة “البحار الأربعة”.
وفي هذا الإطار، اعتبر المبعوث الأميركيّ توماس باراك مؤخّرًا أنّ سوريا قد تتحوّل، على المدى البعيد، إلى بديل لمضيق هرمز، من خلال شبكة خطوط أنابيب تربط الخليج، وبحر قزوين، والبحر المتوسّط، والبحر الأسود. رؤية تعيد تثمين موقع سوريا الجغرافيّ كمفترق طرق استراتيجيّ بين آسيا، والشّرق الأوسط، وأوروبا.
من جهتها، تروّج دمشق لهذا الدّور المحتمل، مقدّمة البلاد بوصفها “بوّابة إلى الشّرق” قادرة على إعادة وصل سلاسل الإمداد الإقليميّة، شرط تحقيق الاستقرار السياسيّ، وضخّ استثمارات ضخمة.
نظريًّا، هذه الممرّات واعدة: فكّ العزلة عن الخليج، وتنويع طرق التّصدير، وتقليص الارتهان لنقطة عبور واحدة. غير أنّ تحويل هذه الوعود إلى واقع يتطلّب استقرارًا سياسيًّا طويل الأمد، واستثمارات بعشرات مليارات الدّولارات، وتنسيقًا إقليميًّا يبقى أقرب إلى الطّموح منه إلى التّحقيق.
من هنا، لا ينبغي أن تحجب كثرة المشاريع حقيقةً أساسيّةً: ما من بديل موثوق حتّى الآن قادر على تعويض مضيق هرمز في المدى المنظور. فالبنى التحتيّة الحاليّة بلغت حدودها القصوى، والمشاريع المستقبليّة لا تزال رهينة الغموض، فيما تبقى القيود الجيوسياسيّة عاملًا حاسمًا.
حتّى أكثر الحلول تطرّفًا، مثل النّقل البريّ للنّفط، تبدو غير قابلة للتّطبيق عمليًّا، إذ يتطلّب نقل كميّات مماثلة عشرات آلاف الشّاحنات يوميًّا، بتكاليف لوجستيّة وطاقويّة هائلة، وفي مناطق معرّضة للقصف.
وفي هذا السّياق، لا تخفي التّصريحات المطمئنة حقيقة استراتيجيّة واضحة: ما دام مضيق هرمز تحت الضّغط، يبقى مصير الاقتصاد العالميّ بأسره معلّقًا على ممرّ ضيّق لا يتجاوز عرضه بضع عشرات من الكيلومترات.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us