لبنان: سوسيولوجيا التحلّل

ترجمة هنا لبنان 3 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

لبنان في طور التحلّل، واللبنانيّون في حالة من الضّياع، لافتقارهم إلى مرجعية يحتكمون إليها، لأنّ الدولة لم تعد مرجعًا ملزمًا في ظلّ غياب التّوافق، وتعطّل التّحكيم المؤسسيّ. لم يعدِ الخلاف محصورًا في الخيارات السياسيّة، بل بات متعلّقًا بشرعيّة الدولة بحدّ ذاتها، وبموقع المؤسّسات، وبانعكاسات الصّراعات الإقليمية والدوليّة على مستقبل بلد يرزح تحت وطأة الانهيار.

وكان ثمّة سعي، من النّاحية النظريّة، إلى إعادة إحياء مؤسّسات الدولة عبر انتخاب رئيس للجمهوريّة بعد فراغ استمرّ عاميْن، ومن خلال تشكيل حكومة تكنوقراط يُفترض أن تعالج تراكمات الفساد، والشّلل في الحكومات المتعاقبة. غير أنّ هذه الرّهانات سرعان ما سقطت، بعدما تبيّن أنّ شروط قيام دولة القانون غير متوافرة منذ الأساس.
فالاستحقاق الرئاسيّ خضع لقيود سياسيّة معقّدة، وإرث ثقيل من التّسويات، فيما عجزت الحكومة، بتناقضات مكوّناتها، عن صياغة سياسة متكاملة، أو تنفيذها. وقد جعلها طابعها الهجين أقرب إلى برلمان مصغّر، تتنازع مكوّناته، وتشلّ قدرتها على العمل. ولم يعدِ الأمر مجرّد عجز أو سوء إدارة، بل بات أقرب إلى حالة من عدم القابليّة للحكم، تُفرغ مفهوم الدولة من مضمونه.

ويفسّر هذا ما يكتنف هذه الحوكمة من التباسات متشابكة، مشوبة بالتّناقضات، إذ سعت إلى تعويض عجزها بشعارات مبدئيّة، ونصوص دستوريّة لم تؤثّر فعليًّا أبدًا على رسم السّياسات العامة، أو صياغتها. وتأرجح الواقع بين خيبة أمل عميقة، ووعود حكوميّة عجزت عن الوفاء بالتزاماتها. نبدأ بالسّياسات العامة الّتي تعذّر انتزاعها من القيود الاحتكاريّة، وننتهي عند مسألة السّيادة الّتي يُفترض أن تنطلق منها ديناميّة الدولة. غير أنّ الأمر ليس كذلك: فالسياسات ما زالت مسالة إقطاع تدبّرها إقطاعيّات متجدّدة، ومرتبطة بأنماط متعاقبة من التبعيّة والسّيادة.

في الواقع نحن أمام استحواذ فعليّ، يجري تحت غطاء مؤسّسيّ زائف، لا يحمل من الدولة سوى سمات إسميّة بلا أيّ تأثير على الواقع السياسيّ. ويُشار أحيانًا إلى مفهوم “الدولة العميقة”، غير أنّها، في حقيقتها، مجرّد تكتّلات أوليغارشيّة في حالة تبدّل مستمرّ، وتواطؤ مع قوى الوصاية البديلة، السوريّة والإيرانيّة. وهذه المنظومة الخفيّة هي من يدير الإدارات، ويحدّد أجندات الوزراء. في حين يقيَّد البرلمان الشكليّ، ويخضع لإملاءات الأوليغارشيّات ومجالسها المغلقة، ولحكم مفروض متمثّل برئيس البرلمان، متحرّر من القيود الدستوريّة، ومضعف لمبدأ فصل السّلطات.

وليست المؤسسّات سوى هياكل شكليّة تختبئ خلفها عمليّة تفكيك ممنهجة تمسّ جوهر الكيان، وتنسف شرعيّة السرديّة الوطنيّة، وتهدّد قابليّة بقاء دولة خاضعة لأنماط متعاقبة من الهيمنة. من هنا، ليس من المستغرب ما آلت إليه الأمور من تفكّك مؤسساتيّ وتآكل بنيويّ، ونهب منظّم للموارد العامّة والخاصّة، كما تجلّى بوضوح في الانهيار الماليّ منذ عام 2019. كما لا يثير الاستغراب استمرار سياسات الاستيلاء على الأراضي في ظلّ نفوذ شبكات مسلّحة.

أمّا انفجار مرفأ بيروت، بما اتّسم به من طابع إرهابيّ، وتطبيع الفساد على مختلف المستويات وفي شتّى مجالات الحياة العامة والخاصة، فلا ينبغي أن يثيرا أي استغراب. ولا تعكس هذه الأمثلة، على سبيل التّوضيح، سوى مقدّمة لهيمنة شاملة على الدولة اللبنانيّة، كرّسها الثنائيّ الشيعيّ عبر تقسيم نفوذ يقوم على إعادة تفاوض مستمرّة. وقد كشف التّصعيد العسكريّ الّذي بدأ عام 2023 حقيقة كيان دولة هشّ، جرى توظيفه بصورة انتقائيّة، دولة تتحكّم بها منظومة سلطويّة، بما يلخّص أبعاد الانهيار المتواصل منذ عقود.

بدأت السّلطة الجديدة، الّتي كان من المفترض أن تعيد نظريًّا إعادة إحياء مؤسّسات الدولة، بالتّنازل عن صلاحيّات السّيادة عبر تعيينات إداريّة، وأمنيّة، وقضائيّة، وماليّة، كرّست نفوذ المافيات الشيعيّة وأعادت الزّخم إلى سياسات الهيمنة. وقد كشفت الهجمة المضادّة الإسرائيلية زيف هذه الخدعة المتستّرة بغطاء الشرعيّة، فيما لم تشكّل مؤسّسات الدولة سوى واجهات. ويعود عجز الدولة إلى سياسات اختزلتها إلى دور تابع، يُدار وفق أولويّات يحدّدها حزب الله وأعوانه.

تشكّل سياسة المراوغة والتّضليل المتعمّد الّتي انتهجتها الدولة اللبنانيّة حيال الهدنة المتفّق عليها، في جوهرها، منبع الديناميّة الحربيّة الجارية، وما خلّفته من آثار مدمّرة، وما قد تفرزه من تحوّلات جيوسياسيّة. فقد اندلعت الحرب في وقت كانت فيه غالبيّة المجتمع الوطنيّ اللبنانيّ رافضة للانزلاق إلى هذا المسار التصعيديّ.

في المقابل، تنكفئ الدولة اللبنانية إلى حالة من الانتظار، وتكتفي بإطلاق التّصريحات المبدئيّة، وتمتنع عن أيّ فعل، بما في ذلك الفعل الدبلوماسيّ. وتتعرّض المؤسّسة العسكريّة للتّهميش، لتُختزل في دور المراقب العاجز عن الفعل، فيما تتخلّى سلطة الدولة عن كامل صلاحيّاتها لصالح تنظيم مسلّح، تذرّع بصفة ما فوق الإقليميّة.

ويزداد هذا الأمر خطورة إذ يكشف واقع هيمنة فعليّة، تمدّدت لتطال الدولة برمّتها. ولبنان، في وضعه الرّاهن كمجتمع يُفترض أن يحمل صفة الدولة الوطنيّة، لا يمكن تصنيفه سوى كدولة فاشلة. وهو عاجز عن النّهوض مجدّدًا، واستعادة حضوره الفعليّ، ما لم يخضع، في مرحلة انتقاليّة، لنمط من الحوكمة الدوليّة، يسهم في إخراجه من حالة التّأرجح وعدم الاستقرار.

بخلاف ذلك، تفاقم حالة الانهيار الشّامل هذه تداعيات الحرب الجارية، وتنذر بالأسوأ، أي الهمجيّة، وتحلّل البلاد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us