حرب الإسناد الثانية… الشهر الثاني والأخير

قد لا تكون هذه الحرب هي الأخيرة، لكنّها قد تكون نقطة تحوّل. نقطة يبدأ فيها اللبنانيّون بطرح السؤال الحقيقي: هل يُمكن الاستمرار في هذا المسار؟ أم أنّ الوقت قد حان لاستعادة الدولة، وإعادة تعريف الأولويّات؟
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
مع دخول ما يُسمّى بـ”حرب الإسناد الثانية” شهرها الثاني، تتكثّف الأسئلة حول طبيعة هذه المواجهة، وأهدافها الحقيقية، والأهم، هل نحن أمام فصل أخير في مسارٍ تصعيدي يقوده حزب الله؟ أم مجرّد محطة جديدة في سلسلة نزاعات مفتوحة لا يملك لبنان ترف تحمّلها؟ في خضم هذا المشهد، يبدو أن الخطاب التعبويّ الذي يروّج له الحزب يتناقض بشكلٍ متزايدٍ مع الوقائع الميدانية والاقتصادية، ما يفتح الباب أمام قراءة نقدية لاحتمالات النهاية.
حزب الله يخوض هذه الحرب تحت عنوان “الإسناد”، أي دعم جبهة أخرى في مواجهة إسرائيل. لكن هذا المفهوم، عند تفكيكه، يطرح إشكاليةً جوهريةً: هل ما يجري هو فعلًا إسناد، أم توريط مباشر للبنان في صراعٍ لا يملك قراره ولا أدواته؟
الإسناد في المفهوم العسكري يُفترض أن يكون محسوبًا، محدودًا، ويخدم هدفًا استراتيجيًّا واضحًا. أمّا ما نشهده، فهو انخراط تدريجي في مواجهة مفتوحة، من دون إعلان رسمي، ومن دون توافق وطني، ومن دون رؤية واضحة لنقطة النهاية. وهنا يكمُن الخلل الأساسي: لبنان يُدفع إلى الحرب، لا بقرار دولة، بل بقرار حزب.
مع مرور الوقت، بدأت السرديّة التي يروّجها الحزب تتآكل. في الأيام الأولى، كان الخطاب قائمًا على “الرّدع” و”تغيير قواعد الاشتباك”. أمّا اليوم، فقد بات واضحًا أنّ ميزان القوى لم يتغيّر بشكلٍ جذريٍّ، وأنّ الضربات المتبادلة لم تؤدِّ إلى حسم، مع فارق كبير في القدرة على التحمّل.
الجنوب اللبناني يدفع الثمن الأكبر: قرى مدمّرة، نزوح واسع، شلل اقتصادي. في المقابل، لا يبدو أنّ هناك مكسبًا استراتيجيًّا واضحًا يمكن البناء عليه. وهنا يبرز التناقض: كيف يمكن تبرير استمرار الحرب في ظلّ غياب نتائج ملموسة؟
إنّ أحد أخطر تداعيات هذه الحرب هو تكريس لبنان كـ”جبهة” بدل أن يكون دولة. فحين يُختزل البلد إلى ساحة صراع، تُهمّش مؤسّساته، ويُغيّب قراره السيادي، وتصبح أولويّاته مرهونة بأجندات خارجية.
حزب الله، بحكم ارتباطاته الإقليمية، لا ينظر إلى لبنان ككيانٍ مستقلٍّ، بل كجزءٍ من محور أوسع. وهذا ما يفسّر استعداده لتحمّل كلفة بشرية واقتصادية عالية، طالما أنّ المعركة تخدم هذا المحور. لكنّ السّؤال الذي يطرح نفسه: مَن يملك حق تقرير مصير اللبنانيين؟
مع استمرار التصعيد، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لنهاية هذه الحرب:
1 – التسوية المحدودة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث يتمّ التوصّل إلى تفاهم غير معلن لوقف التصعيد، من دون إعلان نصرٍ واضحٍ لأي طرف. في هذا السيناريو، سيحاول حزب الله تسويق النتيجة كـ”إنجازٍ”، على الرغم من أنّ الواقع قد يكون أقرب إلى احتواء الخسائر.
2 – التصعيد الكبير، في حال حدوث خطأ في الحسابات أو ضربة نوعية، قد تنزلق الأمور إلى مواجهة أوسع. هذا السيناريو يحمل مخاطر كارثيّة على لبنان، الذي لا يملك بنية تحتية قادرة على الصمود، ولا اقتصادًا يتحمّل حربًا شاملةً.
3 – الاستنزاف الطويل، وهو استمرار الوضع الحالي لفترة أطول، مع ضربات متقطّعة من دون حسم. هذا السيناريو قد يكون الأكثر ضررًا على المدى البعيد، لأنه يستنزف المجتمع اللبناني تدريجيًّا، من دون أن يقدّم أفقًا للحل.
في أي دولة طبيعية، تُتّخذ قرارات الحرب والسلم ضمن مؤسّسات دستورية، وتخضع للمساءلة. أمّا في الحالة اللبنانية، فإنّ قرار الانخراط في هذه الحرب لم يمرّ عبر أيٍّ من هذه القنوات. وهذا ما يطرح إشكاليّةً عميقةً تتعلق بمفهوم الدولة نفسه.
حزب الله يتصرّف كفاعلٍ فوق الدولة، يقرّر، وينفّذ، ثم يطلب من الجميع تحمّل النتائج. هذا النّموذج لا يمكن أن يستمرّ من دون أن يؤدّي إلى تفكّك ما تبقى من مؤسّسات.
وعلى الرغم من هيمنة الخطاب التعبوي، بدأت تظهر مؤشّرات إلى تململٍ داخل المجتمع اللبناني، حتّى في بعض البيئات القريبة من الحزب. فالكلفة المعيشية، والخوف من التوسّع، وانعدام الأفق، كلها عوامل تدفع نحو إعادة طرح الأسئلة.
لكن هذا التململ لا يزال محدودًا، بسبب الخوف، والانقسام السياسي، وغياب البديل الواضح. ومع ذلك، فإنّ استمرار الحرب قد يُغيّر هذا الواقع، ويدفع نحو نقاش أوسع حول دور الحزب ومستقبل البلد.
إنّ الحديث عن “الحرب الأخيرة” قد يبدو مُغريًا، لكنّه في الحالة اللبنانية يحمل قدرًا كبيرًا من الوهم. طالما أنّ قرار الحرب ليس بيد الدولة، وطالما أنّ لبنان جزء من صراعات إقليميّة أكبر، فإنّ احتمال تكرار هذه المواجهات يبقى قائمًا.
ومع ذلك، فإنّ ما قد يجعل هذه الحرب مختلفة هو حجم التحدّيات التي يواجهها الحزب نفسه: ضغوط داخلية، كلفة متزايدة، وتراجع في القدرة على إقناع جمهوره بجدوى التصعيد.
في النهاية، قد لا تكون هذه الحرب هي الأخيرة، لكنّها قد تكون نقطة تحوّل. نقطة يبدأ فيها اللبنانيون بطرح السؤال الحقيقي: هل يُمكن الاستمرار في هذا المسار؟ أم أنّ الوقت قد حان لاستعادة الدولة، وإعادة تعريف الأولويّات؟
سيناريو النهاية، إذًا، لا يتحدّد فقط على الجبهة، بل أيضًا في الدّاخل في وعي الناس، وفي قدرتهم على المُطالبة بدولةٍ تحميهم، لا أن يُزَجَّ بهم في حروبٍ لا تنتهي.
مواضيع مماثلة للكاتب:
“تلازم الهزيمتَيْن” بين الضاحية وطهران! | مُثلّث “غزّة – بيروت – طهران”: نهاية حقبة | سلاح الحزب وسلاح الشرعية: خطّان لا يلتقيان! |




