القدس: عيد الفصح في أجواء مغلقة… وتوتّر في الأماكن المقدسّة!

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:
في القدس، ستقام احتفالات عيد الفصح في أجواء مغلقة، أو تحت قيود وصول مشدّدة، في مشهد نادر حتّى في زمن الحرب. فبعد منع مسيرات أحد الشّعانين، أعادت الإجراءات الأمنية رسم حدود الوصول إلى الأماكن المقدّسة، ما يضعف التّوازن الدينيّ الهشّ، ويزيد من حدّة التوتّرات القائمة.
في القدس، سوف يُقام عيد الفصح في صمتٍ غير مألوف. ففي كنيسة القيامة، مركز المسيحيّة الرّوحيّ حيث تُروى أحداث صلب المسيح، ودفنه، وقيامته، ستُقام الاحتفالات خلف أبواب مغلقة، أو تحت قيود دخول صارمة للغاية. أمّا المؤمنون، فسيبقوْن على مسافة، ويتابعون الصّلوات عبر البث المباشر.
ويمثّل هذا الإعلان، الصّادر عن البطريرك اللّاتيني بييرباتيستا بيتسابالا، نقطة تحوّل بارزة. فبينما أُغلقت الكنيسة أمام الجمهور في خلال جائحة كوفيد-19 عام 2020، يأتي الوضع الرّاهن في سياق مغاير تمامًا. لم تعد أزمة صحيّة عالميّة هي الّتي تفرض الإغلاق، بل نزاع مسلّح إقليميّ تنعكس تداعياته مباشرة على المدينة.
ومنذ اندلاع الحرب الّتي تشمل إسرائيل، والولايات المتّحدة، وإيران، تعيش القدس تحت إجراءات أمنيّة مشدّدة. فالوصول إلى البلدة القديمة محدود، والتجمّعات خاضعة لضوابط صارمة، والأماكن المقدّسة مصنّفة مناطق عالية الخطورة. وتبرّر السّلطات ذلك بصعوبة تدخّل فرق الإسعاف في حال وقوع هجوم، وبالتّهديد الملموس الّذي تمثّله شظايا الصّواريخ المعترَضة.
سقطت في السّادس عشر من آذار شظايا مُتعدّدة على مقربة مباشرة من مواقع دينيّة رئيسيّة، من بينها محيط كنيسة القيامة، وساحات المسجد الأقصى. ولم يُثبت وجود استهداف متعمّد، إلّا أنّ الأثر كان فوريًّا. فخطر وقوع حادث جسيم في مدينة مكتظّة، بأزقّة ضيّقة وتدفّق مصلّين كثيف، مرتفع للغاية.
في هذا السّياق، تتأثّر أماكن العبادة الخاصة بالدّيانات التوحيديّة الثّلاث في الوقت عينه. ففي خلال شهر رمضان، صعّبت قيود صارمة الوصول إلى المسجد الأقصى، وغالبًا منعته. كما يخضع حائط المبكى، أحد أهم مواقع الصّلاة عند اليهود، لقيود مماثلة. أمّا عند المسيحيّين، فقد تأثّر التّقويم الليتورجيّ بحدّ ذاته.
وبعيدًا عن القيود العمليّة، تتبدّل الأجواء في القدس. فمدينة الحجّ والتجمّع، أصبحت اليوم تحت رقابة مشدّدة، بمداخل مقيّدة وحضور أمنيّ طاغٍ. واختفت الحشود لتحلّ محلها أجهزة المراقبة، فيما بقيَ بُعد الطّقوس الجماعيّ، وهو عنصر أساسيّ في الدّيانات الثّلاث، معلّقًا.
من منع احتفالات أحد الشّعانين إلى غموض النّار المقدّسة
سُجِّل الإنذار الأوّل قبل عيد الفصح، تحديدًا في احتفالات أحد الشّعانين في التّاسع والعشرين من آذار. فبحسب التّقاليد المتّبعة، تشهد هذه المناسبة مسيرةً كبيرةً بين جبل الزّيتون والبلدة القديمة، تجمع آلاف المؤمنين من مختلف أنحاء العالم. لكنّ الظّروف غير المعتادة منعت حصولها.
تجدر الإشارة إلى أنّ الشّرطة الإسرائيلية منعت البطريرك بيير باتيستا بيتسابالا من دخول كنيسة القيامة، بحجّة القيود السّارية. وأثارت الحادثة ردود فعل دوليّة قوّة، قبل أن تتدخّل الحكومة لإبطال القرار بسرعة.
وبعيدًا عن الحادث بحدّ ذاته، تزعزع مبدأ الوضع الرّاهن. فالإطار الموروث من الفترة العثمانيّة، والمُعدّل على مرّ العقود، ينظّم تعايش الطّوائف المختلفة في الأماكن المقدّسة؛ ويضمن وصول المسؤولين الدينيّين الحرّ، وينظّم الممارسات الليتورجيّة. ونظريًّا، يتعيّن الحفاظ على هذه القواعد بغضّ النّظر عن أي ظرف سياسيّ.
لكنّ الحرب أضافت متغيّرًا جديدًا. إذ تتحمّل إسرائيل، بصفتها قوّة تسيطر على القدس الشرقيّة منذ 1967، مسؤوليّة الأمن. وتتصادم هذه المهمّة أحيانًا مع حريّة العبادة، كما يعكس تزامن إغلاق الأماكن المقدّسة لدى الدّيانات الثّلاث هذه الصّعوبة.
في هذا السّياق، تتجاوز احتفالات عيد الفصح الإطار المسيحيّ وحده، لتصبح مؤشّرًا إلى قدرة القدس على صون توازناتها التاريخيّة تحت الضّغط.
ومن هذا المنظور، تبرز مسألة النّار المقدّسة عند الأرثوذكس كقضيّة محوريّة. إذ تُعتبر هذه الطّقوس، الّتي تُقام بعد عيد الفصح الكاثوليكيّ بأسبوع، وفق التّقويم اليوليانيّ، من أبرز اللّحظات الرمزيّة في المسيحيّة الشرقيّة.
في كل عام، وفي ظلال كنيسة القيامة، يدخل البطريرك اليونانيّ الأرثوذكسيّ إلى مبنى قبر المسيح ليخرج منه شعلة النّار، الّتي تُنقل بعد ذلك إلى المؤمنين. وعادةً ما يجذب هذا الطّقس آلاف المصلّين، ويُبث على نطاق عالميّ.
والجدير بالذّكر أنّ هذه الطّقوس لم تُعتَرض أبدًا؛ ولم تمنع الحروب، ولا التوتّرات السياسيّة، ولا حتّى جائحة كوفيد-19 إقامتها. ففي عام 2020، أُقيمت المراسم خلف أبواب موصدة، محافظة بذلك على استمراريّتها الرمزيّة على الرغم من غياب الجمهور.
واليوم، لا يزال الغموض قائمًا. فقد تفرض القيود الحاليّة إقامة الطّقس بشكل محدود للغاية، أو تغيّر جذريًّا شروط الوصول إليه. وعلى الرغم من عدم الحديث رسميًّا عن أي إلغاء، يبقى الوضع هشًّا وغير مستقرّ.
ترمز النّار المقدّسة إلى الدّيمومة، وتجسّد فكرة استمرار عدم انقطاع بعض الطّقوس، على الرغم من الأزمات. وأي تغيير محتمل فيها يسلّط الضّوء على قضيّة أعمق: قدرة الأماكن المقدّسة على الحفاظ على استمراريّة الرّموز والطّقوس، في بيئة تتّسم بالاضطّراب والانقطاع.
وفي القدس، حيث يرتبط الدّين بالسّياسة ارتباطًا وثيقًا، تتجلّى هذه التوتّرات باستمرار، لكنّها نادرًا ما تظهر بهذا الوضوح. فمنع وصول المصلّين، لا يعطّل الممارسات الدينيّة فحسب، بل يُعيد تشكيل العلاقة بين الإيمان والمكان والسّلطة، ولو بشكل مؤقّت.
ومع اقتراب عيد الفصح، وفي مدينة حافظت دائمًا على طقوسها على الرغم من الأزمات، يبقى السّؤال: هل ستنتقل شعلة النّار المقدّسة مرّة أخرى، أم ستفرض الحرب انقطاعًا في هذا الدّورة الثّابتة؟
مواضيع ذات صلة :
للمرّة الأولى منذ قرون: لا قداس في كنيسة القيامة | قتلى وجرحى بإطلاق نار قرب مفترق راموت في القدس | غوتيريش حض إسرائيل على سحب أوامرها للأونروا بمغادرة القدس |




