حلف النّاتو من دون واشنطن: إلى أين تتّجه أوروبا؟

ترجمة هنا لبنان 4 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

صرّح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الأربعاء، في حديث إلى صحيفة “التّلغراف” بأنّه يدرس “جديًّا” سحب الولايات المتّحدة من حلف النّاتو، واصفًا الحلف بأنّه “نمر من ورق”، عقب رفض حلفائه الانضمام إلى هجومه على إيران. وقد تحوّل احتمال الانسحاب الأميركيّ، الّذي شكّل حتّى الآن مجرّد فرضيّة لدى المحلّلين، إلى سيناريو عمليّ مطروح. فماذا سيبقى من النّاتو من دون واشنطن؟

ما هو تحالف النّاتو؟

أسّست اثنتا عشرة دولة حلف النّاتو في نيسان من العام 1949، سعيًا إلى احتواء التوسّع السوفياتيّ؛ ويضمّ الحلف اليوم 32 عضوًا، ويُعتبر، كما يشير إيفو ه. دالدر في عدد مجلّة “فورين أفّيرز” (الشّؤون الخارجيّة)، الصّادر في الثّامن عشر من آذار 2025، “التّحالف العسكريّ الوحيد الّذي يمتلك مقرًّا سياسيًّا وعسكريًّا خاصًّا، وهيكل قيادة متكامل، وتخطيطًا دفاعيًّا مشتركًا”. ولا تعود صيغته الحاليّة إلى المعاهدة الأصليّة، بل إلى تحوّل متسارع بعد حرب كوريا عام 1950، حين أدركت واشنطن أنّ ردع موسكو يتطلّب قوّات دائمة تحت قيادة موحّدة.

في هذا الإطار، فرضت الولايات المتّحدة هيمنتها تدريجيًّا. فهي تؤمّن اليوم نحو 70% من إجماليّ نفقات الدّفاع في الحلف، وتنتشر بنحو 128 ألف جنديّ على الأراضي الأوروبيّة وفق “المعهد الدوليّ للدّراسات الاستراتيجيّة (IISS)”، وتشغل أبرز المناصب القياديّة، وعلى رأسها منصب قائد قوّات الحلف الأعلى في أوروبا (SACEUR)، الّذي أُسند تقليديًّا إلى جنرال أميركيّ منذ دوايت أيزنهاور عام 1951.

كما يعتمد ردع الحلف النوويّ، بشكلٍ شبه كاملٍ، على التّرسانة الأميركيّة، الّتي يُنشر جزء منها في أوروبا ضمن إطار تقاسم قدرات النّاتو النوويّة. وكما تشير إليه صحيفة فورين أفّيرز، لم تكتفِ واشنطن، لعشرات السّنين، بضمان هذه المظلّة الأمنيّة، بل اشترطت في المقابل دمج قواتها ضمن هيكل يخضع لقيادتها، بما يحدّ من أي مبادرة أوروبيّة مستقلّة تُعتبر “مكرّرة ومجزّئة”.

فجوة هائلة لناحية القدرات

اعتماد أوروبا على الولايات المتّحدة هو اعتماد بنيويّ. فبحسب مركز تحليل السّياسات الأوروبيّة (CEPA)، تتجسّد أوجه القصور الأوروبيّة في ثلاث فئات رئيسية: القدرات الاستراتيجيّة، والقيادة العملياتيّة، وقوّة النّيران، وهي عناصر لا تستطيع جيوش القارّة تعويضها منفردةً في المدى القريب. وتشير تقديرات المعهد الدوليّ للدّراسات الاستراتيجيّة، في تقييمه الصّادر في السّابع عشر من أيّار 2025، إلى أنّ كلفة استبدال القدرات التقليديّة الأميركيّة المخصّصة للمسرح الأوروبيّ الأطلسيّ، تُقدَّر بنحو 1000 مليار دولار.

ما سيُفقد مع الانسحاب الأميركيّ هائل. فبحسب المعهد الدوليّ للدّراسات الاستراتيجيّة أيضًا، ستضطرّ أوروبا إلى تعويض نحو 128 ألف جنديّ، بالإضافة إلى أنظمة قيادة متعدّدة المجالات، وقدرات فضائيّة، ومنصّات استخبارات، ومراقبة، واستطلاع (ISR) عالية الارتفاع وبعيدة المدى، إلى جانب بُنية استخباراتيّة، جعلت عقود الاعتماد عليها، من إعادة بنائها على نحو سريع، أمرًا شبه مستحيل.

وبحسب مركز تحليل السّياسات الأوروبيّ، نقلًا عن الجنرال المتقاعد غوردون ديفيس، “لا يمكن أن يعمل حلف النّاتو من دون القادة والكوادر (الأميركيّين)؛ سيكون ذلك شديد الصّعوبة”. كما أنّ قيادات الحلف العملياتيّة الأربع الكبرى، وAIRCOM، وLANDCOM، وقيادة القوّات المشتركة في نابولي، جميعها تحت قيادة ضبّاط (أميركيّين).

إعادة تسليح أوروبا

مع ذلك، ليست القارّة في حالة جمود. فبحسب تقرير حلف النّاتو السنويّ، الصّادر في السّادس والعشرين من شهر آذار 2026، رفع الحلفاء الأوروبيّون وكندا الإنفاق الدفاعيّ بنسبة 20% بالقيمة الحقيقيّة في عام 2025، ليصل إلى 574 مليار دولار. وللمرّة الأولى منذ تأسيس الحلف، بلغ جميع أعضائه عتبة 2% من النّاتج المحليّ الإجماليّ، أو تجاوزوها.

وتجسّد ألمانيا هذا التحوّل بوضوح: فمن المتوقّع، بحسب البرلمان الأوروبيّ، أن ترتفع نفقاتها الدفاعيّة إلى 117 مليار يورو في 2026 و162 مليار يورو بحلول 2029، أي ما يعادل 3.2% من ناتجها المحليّ. وعلى المدى الأبعد، قدّرت ماكينزي في شباط 2026 أنّه يمكن، مع العتبة الجديدة البالغة 3.5% من النّاتج المحليّ الّتي أُقرّت في قمّة لاهاي، أن تقترب النّفقات الدفاعيّة الأوروبيّة من 800 مليار يورو بحلول 2030.

غير أنّ التحدّيات الصناعيّة لا تزال حادّة، إذ يشير المعهد الدوليّ للدّراسات الاستراتيجيّة إلى أنّ الصّناعة الأوروبيّة، وعلى الرغم من قدرتها على التقدّم نسبيًّا في المجال البريّ، تبقى عاجزةً في العشر سنوات المقبلة عن تعويض القدرات الأميركيّة في المجالَيْن الجويّ والبحريّ، بفعل القيود الهيكليّة في زمن الإنتاج.

وإلى جانب البعد العسكريّ، يتبدّل المشهد السياسيّ. فبحسب تشاتهام هاوس، يؤيّد 81% من الأوروبيّين اليوم المزيد من التّكامل العسكريّ الأوروبيّ، فيما بلغت الثّقة بواشنطن مستويات متدنيّة، مع وصول نسبة الآراء السلبيّة إلى 84% في الدّنمارك. وتشير صحيفة فورين أفّيرز إلى أنّ 31 دولة غير أميركية في الحلف تمثّل أكثر من 600 مليون نسمة، وتملك موارد اقتصاديّة تفوق موارد روسيا بعشرة أضعاف. فالإمكانات متوافرة، لكنّ الإرادة السياسيّة تبقى المتغيّر الحاسم.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us