وقف إطلاق النّار: الخليج في عين العاصفة

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:
عندما أعلن رئيس الوزراء الباكستانيّ شهباز شريف في ليل 7 – 8 نيسان عن وقف إطلاق النّار بين واشنطن وطهران، جاءت ردود فعل عواصم الخليج بتوافق شكليّ. فقد أكّدت السعوديّة إنّها “ترحّب” بالإعلان على أمل أن يؤدّيَ إلى “تهدئة شاملة ودائمة”، فيما أعربت الكويت عن أملها في “تسوية كاملة ودائمة”، ووصفت قطر الاتّفاق بأنّه “خطوة أولى نحو خفض التّصعيد”. تعكس هذه العبارات الحذر بقدر ما تعكس مضمونها؛ فلم تحتفل أي عاصمة بالاتّفاق، ولم تُبدِ أي منها ثقة باستدامته.
لا يمثّل هذا التحفّظ مجرّد دبلوماسيّة، بل يعكس واقعًا ملموسًا: فحتّى بعد إعلان الهدنة، استمرّت إيران بإطلاق الصّواريخ والطّائرات المسيّرة على الخليج. ووفق صحيفة الشّرق الأوسط، أطلقت إيران في خلال السّاعات الّتي تلت وقف إطلاق النّار ما مجموعه 94 طائرة مسيّرة، و30 صاروخًا إضافيًّا على دول مجلس التّعاون الخليجيّ. وأسقطت الكويت 28 طائرة مسيّرة، واعترضت البحريْن 6 صواريخ، و31 طائرة، وأسقطت الإمارات 17 صاروخًا باليستيًّا، و35 طائرة، بينما أعلنت قطر اعتراض 7 مقذوفات.
ويؤكّد المحلّل السياسيّ السعوديّ خالد الهبّاس في تصريح لـ”الشّرق الأوسط” إنّ هذه الهجمات جزء من استراتيجيّة متعمَّدة، فهي “تعكس سلوك إيران العدائيّ تجاه دول الخليج” بحسب رأيه، وتُنفَّذ وفق خطّة مُعدّة مسبقًا، بغضّ النّظر عن أي وقف لإطلاق النّار.
نموذج اقتصاديّ تحت الأنقاض
يعكس حذر عواصم الخليج جزئيًّا حجم الأضرار الّتي لحقت بالبنية التحتيّة الحيويّة. ففي الثّامن من نيسان، اندلع حريق في المجمّع الغازيّ في حبشان في أبو ظبي، واستهدفت طائرة مسيّرة خطّ الأنابيب شرق-غرب السعوديّ، وهو بديل مضيق هرمز الرّئيس، وفق ما نقلته صحيفة فاينانشال تايمز، ووكالة رويترز.
وكانت راس لافان، قلب إمبراطوريّة الغاز القطريّة، قد شهدت تدمير نحو 17% من إنتاجها في هجمات سابقة، وهي أضرار “قد يستغرق إصلاحها سنوات” بحسب قناة CNBC، ويُقدَّر إجماليّ خسائر الدول العربيّة بأكثر من 120 مليار دولار حتّى الواحد والثّلاثين من شهر آذار، أي قبل وقوع ضربات الثّامن من نيسان حتّى.
السّؤال الّذي يشغل الجميع
خلف البيانات الرسميّة، يبقى مضيق هرمز محور كل مخاوف الخليج. وأفادت قناة الجزيرة بأنّ مجموع العواصم الستّ الأعضاء ربطت دعمها للهدنة بإعادة فتح المضيق بشكل كامل، وغير مشروط. والسّبب بسيط: يشكّل البديل، وهو مضيق تسيطر إيران عليه بالفعل، وتفرض رسومًا وتصاريح عبور عليه، ما يصفه الخبير هشام الغنّام بـ”الكابوس الاستراتيجيّ”، إذ يعرّض الخليج لابتزاز اقتصاديّ دائم، ويزيد من احتمال اندلاع حرب مستقبليّة.
وأكّد مسؤولون خليجيّون، في تصريحات لم يُكشَف عن هويّة أصحابها، لوكالة الأنباء بلومبرغ، إنّ الهدنة قد خفّفت المخاوف من تصعيد فوريّ، لكنّ “دوافع الصّراع الأساسيّة تبقى من دون حلّ”. وكان المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش قد حذّر سابقًا من أنّ أي هدنة، لا تضمن أمن الخليج بشكل مستدام، لن تكون مقبولة. وبلغ الأمر بالبحريْن أن تتقدّم بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدوليّ، قبل إعلان وقف إطلاق النّار، يقضي بالسّماح بمهام دفاعيّة تضمن إبقاء المضيق مفتوحًا.
انتصار لا يتبنّاه أحد
مع ذلك، يبدو أنّ الإمارات قد أبدت شعورًا بالارتياح بعض الشّيء. فقد صرّح المستشار الرئاسي أنور قرقاش على منصّة X بأنّ الإمارات “خرجت منتصرة من حرب سعت بصدق إلى تفاديها”. عبارة تكشف الكثير: فالانتصار الّذي تشير إليه لا يتعلّق بالاستراتيجيّة بقدر ما يتعلّق بالبقاء.
خلف هذا الموقف الدفاعيّ إحباط عميق، فقد دعا السّفير الإماراتيّ لدى الولايات المتّحدة يوسف العتيْبة واشنطن إلى تحقيق “نتيجة حاسمة” ضدّ إيران، تشمل جميع التّهديدات: النوويّة، والصّواريخ، والطّائرات المسيّرة، والأذرع، والسّيطرة على الممرّات البحريّة. ويقدّم وقف إطلاق النّار أقلّ بكثير من ذلك: أسبوعان من الهدنة، وطاولة مفاوضات في إسلام آباد، واليقين بأنّ إيران الّتي أصبحت ضعيفة من دون أن تنهزم، ستبقى الجارة المسلحّة، والعدائيّة من النّاحية الأيديولوجيّة، والمدركة أكثر من أي وقت مضى لمدى قوّة مضيق هرمز الاستراتيجيّة.




