المستشفيات في لبنان بالكاد صامدة!

ترجمة هنا لبنان 11 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب مكرم حدّاد لـ”Ici Beyrouth“:

كتب موقع “Ici Beyrouth” في الرّابع من آذار أنّ المستشفيات اللبنانيّة “معلّقة على خيط رفيع”. وبعد شهر، لم ينقطع ذلك الخيط، لكنّه تمدّد، حتّى كاد ينقطع. وبعد يوم الأربعاء الأسود في الثّامن من نيسان، تلقّى النظام الاستشفائيّ اللبنانيّ صدمةً جماعيّةً استنزفت جزءًا من هوامشه، وأغرقت غرف الطّوارئ فيه، وكشفت حقيقة بسيطة: في حربٍ فُرضت على لبنان بسبب مغامرات حزب الله، وتواصلت بردّ إسرائيليّ مجنون ومنفلت على أرضه، لم تعد المستشفيات مجرّد مكان لتلقّي العلاج، بل تحوّلت إلى الحصن الداخليّ الأخير.

لم يشكّل الثّامن من نيسان يومًا داميًا فحسب، بل تحوّل إلى اختبار قاسٍ بحجم الواقع بالنسبة إلى الجبهة الاستشفائيّة. ووفق مركز العمليّات الصحيّة الطّارئة في وزارة الصحّة العامّة، أسفرت الغارات الإسرائيليّة عن حصيلة أوليّة بلغت 303 قتلى، و1,150 جريحًا، بينهم 30 طفلًا قضوا، و142 أصيبوا بجروح. وبينما استمرّت أعمال رفع الأنقاض في أكثر من موقع، وانتظرت جثامين مَن يتعرّف عليها عبر فحوص الحمض النوويّ في المستشفيات، ارتفع العدد الإجماليّ منذ الثّاني من آذار إلى 1,888 قتيلًا، و6,092 جريحًا.

بعبارةٍ أوضح، لم يكتفِ لبنان بإحصاء ضحاياه، بل أحصى أيضًا الأسرّة، وأكياس الدم، وغرف العمليّات، والاحتياطيّات، وفرق العمل، وحتّى الدّقائق.

لم ينشأ هذا الانهيار من فراغ. فمنذ السّابع من نيسان، سجّلت منظّمة الصحّة العالميّة إغلاق 6 مستشفيات بالكامل، وتضرّر 12 مستشفى آخر، وخروج 51 مركز رعاية صحيّة أوليّة عن الخدمة. كما أحصت 57 قتيلًا، و158 جريحًا في الهجمات الّتي طالت القطاع الصحيّ منذ تجدّد القتال، مع نسب إشغال بلغت 95% في بعض المستشفيات الحكوميّة. ويُضيف أكثر من مليون نازح ضغطًا خانقًا على المنظومة بأكملها. أي أنّ الأربعاء الأسود لم يصدم جهازًا سليمًا، بل ضرب منظومةً منهكةً أصلًا، ومبتورةً، ومشتّتةً، ومشدودةً إلى أقصى الحدود.

يوم من نار، ونظام ما زال يمتصّ الصّدمة

يتعيّن في هذا السّياق بالذّات، قراءة تحليل بيار يارد، رئيس نقابة المستشفيات الخاصّة. وتُختصر خلاصة موقفه، في جوهرها، في جملة واحدة: تلقّفت المستشفيات الصّدمة، إنّما بثمن تعبئة شاملة. فنحو عشرين مستشفى خاصًّا في بيروت الكبرى وُضعت في الخدمة بكامل طاقتها، إلى جانب مستشفى رفيق الحريري الجامعيّ، بينما أعادت وزارة الصحّة تفعيل خطّة الطّوارئ الّتي اعتُمدت في حرب 2024، وفي انفجار المرفأ. وحتّى مستشفيات جبل لبنان امتصّت حصّتها من العبء من دون أن تنهار. وهذا ليس أمرًا بسيطًا. ففي بلد منهك، يعني ذلك أنّ النّظام يحتفظ دائمًا بردود فعل، وبذاكرة كوارث، وبقدرة على التّنظيم.

ويضيف يارد تفصيلًا يُسلّط الضّوء على طبيعة الأزمة. فالعقبة الأولى التّي واجهتها المستشفيات يوم الأربعاء لم تكن الانهيار الفوريّ في المستلزمات الطبيّة، بل في وحدات الدمّ. أو بالأحرى، في سرعة الحصول عليها. فالمخزون العادي في بنك الدمّ لا يكفي عادةً سوى لمريضيْن أو ثلاثة. وعندما يتدفّق الجرحى بالعشرات أو بالمئات، يُصبح كل شيء رهن التّنسيق، والتّوزيع، واستدعاء المتبرّعين الفوريّ. تعاونت المستشفيات، وأُطلقت نداءات التبرّع بالدمّ، وتلت الاستجابة. وهنا أيضًا، صمد النّظام، لكنّه صمد بصعوبة قصوى.

غير أنّ هذه القراءة، المُطمئِنة على المدى القصير، تصطدم بإنذار أثقل: إنذار منظّمة الصحّة العالميّة. فقد تواجه بعض المستشفيات اللبنانيّة في غضون أيّام نقصًا في مستلزمات حيويّة لمعالجة الإصابات، من ضمّادات، ومضادّات حيويّة، ومواد تخدير، في حال تكرّرت وتيرة التدفّق الجماعيّ. وتحذّر المنظّمة من أنّ تكرار مشهد الأربعاء سيشكّل كارثةً. بتعبير آخر، يصف يارد نظامًا تلقّف الصّدمة الأولى؛ وتذكّر منظّمة الصحّة العالميّة، من جهتها، بأنّ تكرار الصّدمة قد يطيح بما تبقّى من هوامش. لا تتناقض الخلاصتان، بل تتكاملان. وهذا بالذّات ما يثير القلق.

بيروت تتلقّى، والجنوب يحوّل، وصيدا تخفّف

أُعيد رسم المشهد الاستشفائيّ اللبنانيّ تحت القصف. ففي بيروت، عاد مستشفى رفيق الحريري ليشكّل عقدةً حيويّةً: ازدادت حالات الدّخول إلى قسم الطّوارئ فيه وبلغت ثلاثة أضعاف، فتحوّلت من 30 إلى 90 مريضًا يوميًّا، بينما ارتفع عدد مرضى غسيل الكلى من 160 إلى 265 بعد إغلاق مستشفيات الضّاحية الجنوبيّة. واضطرّ المستشفى إلى مضاعفة طاقته الاستيعابيّة وتعزيز أجهزة الغسيل، على الرغم من استمرار النّواقص في بعض المعدّات. ولم يعد مجرّد مستشفى عام تحت الضّغط، بل تحوّل إلى غرفة مقاصّة حرب حقيقيّة.

وحوله، تعود أسماء أخرى إلى الواجهة: مستشفى المقاصد في بيروت، ومستشفى حيرام في صور، والمستشفى الحكوميّ في صيدا، والمركز التركيّ لمعالجة الإصابات والحروق في صيدا. وفي الجنوب، تستمرّ المعالجة، إنّما تحت التّهديد؛ وفي صيدا، يُعاد تشكيله كمنصّة امتصاص؛ وفي بيروت، يستوعب ما لم تعد الأطراف المدمّرة، أو المغلقة، قادرة على تحمّله. إنّها جغرافيا النّظام الّتي تبدّلت مع الحرب، وزادها تعقيدًا ضرب الطّرق، والجسور، والمنافذ، ما أعاق نقل الجرحى والمواد الطبيّة.

أمّا المستشفيات الخارجة عن الخدمة فأصبحت معروفة. وتشير مصادر متقاطعة إلى إغلاق مؤسّسات في ضاحية بيروت الجنوبيّة وفي الجنوب، أو إلى إخلائها، ومن بينها مستشفيات بهمن، والسّاحل، والبرج، والمستشفى الحكوميّ في بنت جبيل، ومستشفى ميس الجبل، فيما تواصل أخرى عملها، منهكةً أحيانًا، وغالبًا فوق طاقتها. وهنا أيضًا يتعيّن التحرّر من الصور المبسّطة: ليس المشهد مجرّد مستشفيات مفتوحة في جهة، ومغلقة في أخرى. والواقع معقّد أكثر بكثير؛ فثمّة مؤسّسات تقاوم حتّى اللّحظة، وأخرى خرجت من الخدمة، ويواصل الكثير منها عمله وهو على وشك بلوغ طاقته القصوى.

القطاع الصامد

ما يلفت في الجوهر هو أنّ النّظام الاستشفائيّ اللبنانيّ لم يبلغ مرحلة الانهيار. ليس بعد. ينحني تحت وطأة الصّدمات، من دون أن ينكسر. وينحني تحت وطأة القصف، ومراكز الرّعاية الأوليّة المغلقة، والنّزوح الجماعيّ، والفرق الطبيّة المنهكة، والتّعقيدات اللوجستيّة، وغموض الإمدادات. لكنّه يبقى صامدًا في ذاكرة الأزمات الماضية، وفي خطط الطّوارئ، وفي التّعاون بين المؤسّسات، وفي جهود المسعفين، وفي المتبرّعين بالدمّ، وفي الكوادر الّتي بقيت في مواقعها، وفي قدرةٍ على الارتجال تكاد تشبه، في لبنان، تقليدًا وطنيًّا.

تبقى هنا المسألة الجوهريّة، إذ لم يعد السّؤال كم سيصمد النّظام، بل إن كان سيتمكّن من تلقّف الصّدمة التّالية. لأنّ المخاطر لا تُختصر في مأساة يوم واحد، بل في احتمال تكرار يوم أربعاء أسود آخر، وآخر… يؤكّد بيار يارد أنّ المستشفيات استطاعت تلقّف الضّربة، بينما تحذّر منظّمة الصحّة العالميّة من أنّ صدمة جديدة من هذا النّوع وبهذا الحجم قد تطيح بالتّوازن.

بين هذيْن الحدَّيْن تتجلّى حقيقة اللّحظة اللبنانيّة بكاملها: جبهة استشفائيّة استثنائيّة، شجاعة ومنظَّمة، لكنّها باتت معلّقة اليوم على معادلة، حتّى التّفاني والاعتياد على الأسوأ لن يكونا كافيَيْن لتجاوزها إلى الأبد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us