لبنان وإسرائيل على طاولة واشنطن: مرحلة تمهيديّة لمسار طويل


خاص 14 نيسان, 2026

الجانب اللبناني سيدخل المفاوضات مرتكزًا إلى مجموعة من الأولويّات، في مقدّمتها وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب وسائر الأراضي اللبنانية، إضافةً إلى ملف الأسرى، والبدء بمسار واضح لترسيم الحدود بشكلٍ نهائيٍّ، مع التزامٍ موازٍ بالعودة إلى تطبيق خطّة حصر السلاح جنوبي نهر الليطاني.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

يدخل لبنان مرحلةً جديدةً من الاتصالات المرتبطة بالمسار التفاوضي مع إسرائيل، مع ترقّب انعقاد مفاوضات تُعقد اليوم الثلاثاء في واشنطن برعاية أميركية، في خطوةٍ تُعَدُّ من أبرز التطورات السياسية المرتبطة بالملف في الفترة الأخيرة. وتأتي هذه التحرّكات متزامنةً مع اجتماعاتٍ تقنيةٍ موازيةٍ، يُفترض أن تُركّز على بحث سبل التهدئة ووقف إطلاق النّار كأولوية لبنانية في هذه المرحلة.

وفي موازاة المسار الدبلوماسي، يستمرّ المشهد الميداني في الجنوب بالتأثير في مناخ هذه الاتصالات، وسط تباينٍ في الأولويات بين الأطراف المعنية، ما يجعل من المرحلة الحالية محطة متابعةٍ دقيقةٍ لمسارٍ قد يمتدّ إلى مراحل متعدّدة قبل الوصول إلى أي نتائج ملموسة.

يقول المحلل السياسي جوني مْنَيَّر لـ “هنا لبنان” إنّ المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل تحمل في جوهرها أبعادًا رمزيةً تتجاوز مضمونها الفعلي، لا سيما في مرحلتها الأولى.

ويؤكّد أن الهدف الأساسي من هذا اللقاء هو إطلاق مسار التفاوض بحدّ ذاته، إذ إنّ مجرّد جلوس الطرفَيْن بشكل مباشر يُعدّ خطوةً سياسيةً بحد ذاتها، حتّى ولو لم يشهد الاجتماع الأول أي تقدّم ملموس، نظرًا لانخفاض مستوى التمثيل وعدم دخوله في نقاشات عميقة أو حاسمة. ومن المتوقّع أن يطرح الجانب اللبناني ملف وقف إطلاق النار، فيما سيركّز الجانب الإسرائيلي على قضية سلاح حزب الله وتداعياته.

ويضيف مْنَيَّر أن الهدف الثّاني يتمثّل في توجيه رسالة سياسية واضحة مفادها أنّ القرار التفاوضي بشأن لبنان هو بيد الدولة اللبنانية وحدها، وليس بيد أي طرف خارجي، في إشارةٍ إلى إيران التي سعت في مراحل سابقة إلى إدراج الملف اللبناني ضمن مفاوضاتها الإقليمية، بما في ذلك تحركاتها في إسلام آباد.

وبحسب مْنَيَّر، فإنّ هذا الاجتماع يكرّس مبدأ أنّ السلطة اللبنانية الشرعية هي الجهة المُخوّلة بإدارة هذا الملف والتحدّث باسم البلاد، ما يسحب من أي جهة خارجية إمكانيّة الادعاء بتمثيل لبنان في هذا السياق.

ويختم مْنَيَّر بالإشارة إلى أنّ أهمية هذا اللقاء تكمن في صورته ورمزيّته السياسية أكثر من نتائجه المباشرة، متوقّعًا ألّا تشهد المرحلة القريبة تصعيدًا في وتيرة الاجتماعات، على أن تبدأ المفاوضات الفعليّة لاحقًا عندما يلتقي وفد لبناني سياسي رفيع المستوى مع نظيره الإسرائيلي في مرحلة متقدمة.

من جهته، يرى المحلّل السياسي علي حمادة أنّ اجتماع اليوم الثلاثاء لا يندرج في إطار المفاوضات الحاسمة، بقدر ما يشكّل خطوةً تمهيديةً تهدف إلى وضع الأسس العامّة للعملية التفاوضية بين الجانبَيْن اللبناني والإسرائيلي.

ويشير إلى أنّ هذا اللقاء سيُخصّص أساسًا للاتفاق على جدول أعمال واضح، حيث سيعرض كلّ طرف لائحة أولويّاته، تمهيدًا لرسم خريطة طريق تُحدّد آليّة التفاوض في المراحل اللاحقة. وبحسب حمادة، فإنّ الاجتماع هو بمثابة “اتصال أول” بين الوفدَيْن، هدفه ضبط الإطار العام قبل الانتقال، خلال الأيام القليلة المقبلة، إلى نقاشٍ تفصيليٍّ في البنود الخلافية.

وعن المواقف، يوضح حمادة أنّ الجانب اللبناني سيدخل المفاوضات مرتكزًا إلى مجموعة من الأولويّات، في مقدّمتها وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب وسائر الأراضي اللبنانية، إضافةً إلى ملف الأسرى، والبدء بمسار واضح لترسيم الحدود بشكلٍ نهائيٍّ، مع التزامٍ موازٍ بالعودة إلى تطبيق خطة حصر السلاح جنوبي نهر الليطاني.

في المقابل، يلفت إلى أنّ الجانب الإسرائيلي يتعامل مع هذه العملية من زاوية مختلفة، إذ يضع شرطًا أساسيًّا يتمثّل في عدم الدخول في أي نقاش جوهري قبل معالجة مسألة سلاح حزب الله، أو إظهار الدولة اللبنانية جديةً ملموسةً في هذا الاتجاه. كما يكشف عن توجّه إسرائيلي لإقامة شريط أمني حدودي مؤقت، يتمركز فيه إلى حين تنفيذ التعهّدات المطلوبة من الجانب اللبناني.

ويخلص حمادة إلى أنّ المسار التفاوضي يبدو معقّدًا وطويلًا، مُرجّحًا أن تدخل المرحلة المقبلة في إطار ما يمكن وصفه بـ”القتال والتفاوض في آنٍ معًا”، حيث تتداخل الضغوط الميدانية مع المسار السياسي، في محاولةٍ لفرض توازناتٍ جديدةٍ على طاولة المفاوضات.

بدوره، يرى المحلّل السياسي طوني بولس أنّ أهمية المفاوضات التي ستنطلق اليوم الثلاثاء لا تكمن بالضرورة في الوصول إلى نتائج حاسمة خلال الجلسات الأولى، بل في إطلاق مسارٍ تفاوضيٍّ طويلٍ يحتاج إلى وقت ونقاش معمّق. ويؤكّد أن الأهمية الأساسية لهذه الخطوة تكمن في أنها، وللمرّة الأولى منذ 43 عامًا، تُعيد للدولة اللبنانية قرارها السيادي في التفاوض، بحيث تُصبح هي الجهة التي تُمسك بهذا الملف، بعد أن كان النظام السّوري يتولّى التفاوض باسم لبنان في السابق، ثم جاء الدور على النظام الإيراني الذي صادر هذا الحق من الدولة اللبنانية.

ويعتبر بولس أنّ هذه المفاوضات تُشكّل عمليًّا تكريسًا لانفصال الدولة اللبنانية عن المسارات الإقليمية، منتقدًا في الوقت نفسه بعض المواقف التي تُحاول ربط لبنان بالمسار العربي، مثل تصريحات النائب وليد جنبلاط، معتبرًا أنّ هذا الخطاب بات قديمًا ولم يعد يواكب التحوّلات. ويُضيف أنه من حق لبنان، على الرغم من انتمائه إلى العالم العربي، أن يتحرّك وفق مصلحته الوطنية، وأن ينأى بنفسه عن الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي تعود جذوره إلى مفاعيل عام 1969، لافتًا إلى أن الدول المجاورة لإسرائيل، مثل مصر والأردن، قد وقّعت اتفاقيات سلام، فيما تسير سوريا أيضًا في مسارٍ تفاوضيٍّ وأمنيٍّ.

ويشير بولس إلى أنّ الطرح الإسرائيلي يركّز على نقطتين أساسيتين في أي مفاوضات مع لبنان: الأولى تتعلّق بالعمل على نزع سلاح حزب الله، والثانية تتعلّق بتوقيع اتفاقية سلام. ويرى أن هذَيْن المطلبَيْن، من حيث المبدأ، يلتقيان مع جزءٍ من التطلعات داخل لبنان، مشيرًا إلى أنّ الحكومة اللبنانية كانت قد اعتبرت حزب الله كِيانًا غير شرعي ويجب العمل على سحب سلاحه، وأنّ اتفاقيّة السلام يمكن أن تصب في مصلحة البلاد.

ويختم بولس بأنّ هناك تقاطعًا في المصالح بين الشعبَيْن اللبناني والإسرائيلي، معتبرًا أنّ الوقت قد حان لطَيْ صفحة الماضي والتوجّه نحو مرحلة جديدة من العلاقات الإيجابية، بما يضمن مصالح لبنان ويواكب التحوّلات الإقليمية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us