“الحرب العادلة”: حين تحاول الأخلاق احتواء العنف!

ترجمة هنا لبنان 16 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت بيليندا إبراهيم لـ”Ici Beyrouth“:

في زيارته إلى هيبّون، وعلى خطى القدّيس أوغسطينوس، يُعيد البابا لاوون الرّابع عشر إحياء فكر تأسيسيّ. فمفهوم “الحرب العادلة” الّذي وُلد في العصور القديمة، وتبلور في الإطار اللاهوتيّ، لا يزال يطرح أسئلةً جوهريّةً في عالمٍ يبدو فيه العنف وكأنّه أفلت من كلّ قيد.

لا يكتفي البابا لاوون عندما يمشي في عنّابة، قديمًا هيبّون، بإيماءة رمزيّة، بل يعود إلى منبعٍ فكريٍّ. إلى فكرٍ حاول، منذ أكثر من خمسة عشر قرنًا، وضع حدٍّ لما يبدو، بطبيعته، بلا حدود: الحرب.

فخلف شخصيّة القدّيس أوغسطينوس، الّذي توفّيَ هنا عام 430 أثناء حصار المدينة، لا يتجسّد مجرّد إرث روحيّ، بل محاولة فكريّة كبرى: صياغة إطار للعنف، ومنع تمدّده من دون ضوابط، حتّى في اللّحظات الّتي يبدو فيها حتميًّا.

غير أنّ هذه الفكرة لم تولد مع المسيحيّة، إذ سعت حضارات مُتعدّدة، قبل القدّيس أوغسطينوس بوقت طويل، إلى تقنين الحرب. ففي “المهابهاراتا”، الملحمة الهنديّة الكبرى القديمة، تخضع المعارك بالفعل لقواعد صارمة. وفي الغرب، قدّم شيشرون بذور تفكير مبكر حين أكّد عدم شرعيّة الحرب إلّا إذا جاءت ردًّا على اعتداء، وهدفت إلى استعادة السّلام. لكنّ هذا التصوّر ظلّ سياسيًّا في جوهره، يُنظّم الحرب أكثر ممّا يحاكمها.

ولم تنتقل المسألة فعليًّا إلى الحقل الأخلاقيّ سوى مع القدّيس أوغسطينوس.

فكر وليد الفوضى

حين كتب القدّيس أوغسطينوس، كان العالم من حوله يتداعى. فـالإمبراطوريّة الرومانيّة كانت تتصدّع، والغزوات تتكاثر، والمرجعيّات السياسيّة والاجتماعيّة تنهار. وفي المقابل، كانت المسيحيّة تترسّخ محمّلةً بمطلب حاسم: السّلام. فكيف يمكن التّوفيق بين هذا المثال الأعلى، وضرورة الدّفاع عن مجتمع مهدَّد؟

لم يسعَ أوغسطينوس إلى إنكار العنف، بل واجهه بشكلٍ مباشرٍ. فالحرب، في نظره، تظلّ شرًّا بحدّ ذاتها؛ لا يمكن تبريرها، ولا تمجيدها، أو التطلّع إليها. لكنّها قد تُقبل بوصفها وسيلةً لتفادي شرّ أكبر فحسب، كالدّفاع عن شعب، ومنع ظلم، واحتواء عنف أشدّ تدميرًا: في هذه الحالات المُحدّدة، يجوز من النّاحية الأخلاقيّة اللّجوء إلى القوّة.

ويمثّل هذا التحوّل لحظةً مفصليّةً. فلم يعدِ السّؤال يتعلّق بجدوى الحرب، أو بفعّاليّتها، بل بالشّروط الّتي يمكن في ظلّها تبريرها من النّاحية الأخلاقيّة.

من اللّاهوت إلى القانون

وبعد مضيّ قرون متعدّدة، يمنح توما الأكويني هذه الفكرة صياغةً أكثر صرامة. ولا يكتفي بتبرير عام، بل يضع إطارًا محدّدًا: لا تُشنّ الحرب إلّا بقرار سلطة شرعيّة، وبدافع ظلمٍ قائمٍ، ولا تُخاض لتحقيق مصالح شخصيّة أو نزعات مُدمِّرة. وتصبح النيّة، تمامًا كالسّبب، معيارًا أساسيًّا للحكم.

لا يُشَرْعِنُ هذا الإطار الحرب، بل يحصرها في مساحة استثنائيّة.

ابتداء من عصر النّهضة، خرج هذا التّفكير من إطاره الدينيّ الخالص، ليتحوّل تدريجيًّا إلى مسألةٍ قانونيّةٍ تتعلّق بتنظيم العالم. فقد أعاد مفكّرون مثل هوغو غروتيوس، وإيمانويل كانط، توظيف المبادئ الموروثة من اللّاهوت، إنّما ضمن سياق جديد تُهيمن عليه الدولة الحديثة.

لم تعدِ الحرب تُفهم كقضيّةٍ أخلاقيّةٍ فرديّةٍ فحسب، بل أصبحت موضوعًا قانونيًّا قائمًا بذاته. وهكذا، تبلور التّمييز بين الحقّ في خوض الحرب، (jus ad bellum)، أي شروط مشروعيّتها، وبين قواعد إدارتها (jus in bello)، أي الضّوابط الّتي تحكم سلوكها في أثناء القتال. ثم أُضيف لاحقًا بُعد ثالث (jus post bellum)، المتعلّق بأسس بناء سلام عادل بعد انتهاء الحرب.

إرث في مواجهة الواقع

هذه هي التوتّرات الّتي تكشفها، بشكل عفويّ، زيارة البابا لاوون الرّابع عشر إلى الجزائر. ففي العاصمة الجزائريّة، وأمام الرّئيس عبد المجيد تبون، دعا البابا إلى نبذ الهيمنة، وبناء مجتمع مدنيّ حرّ. وتوقّف عند ذاكرة العنف، سواء تلك المرتبطة بحرب الاستقلال أو بالعشريّة السوداء، مؤكّدًا ضرورة ألّا تتحوّل الضّغائن إلى ميراث منقول من جيل إلى جيل.

الرّسالة واضحة، فهي امتداد لفكر يسعى إلى تطويق العنف، ومنع تكراره بلا نهاية. غير أنّ الواقع يفرض حضوره بقسوة، إذ سرعان ما ألقى هجوم انتحاريّ بظلاله الثّقيلة على الزّيارة، معكّرًا صفوها، ليذكّر بصرامة أنّ العنف لا يُضبَط بسهولة، وهو قادر على الانفجار في اللحظة والمكان الأقلّ توقّعًا.

وفي هذا التّناقض، تتجلّى هشاشة هذه العقيدة بوضوح. فالمسافة بين ما تفترضه وبين ما ينتجه العالم تبقى واسعة وعميقة.

في عنّابة، وتحت المطر، يزرع البابا لاوون شجرة زيتون. فعل بسيط، ونبيل، وهشّ تقريبًا. لا يضع حدًّا للعنف، لكنّه يذكّر بفكرة أساسيّة: السّلام لا يُمنح، بل يُبنى، ويُصان، ويُدافَع عنه، وقبل كلّ شيء، يُفكَّر فيه.

وربّما تكمن قوّة عقيدة “الحرب العادلة” هنا بالذّات، وحتّى اليوم. لكنّها لا تستمدّ مشروعيّتها من قدرتها على تبرير الحرب، بل من إصرارها على عدم ترك الحرب لذاتها… ولجنون البشر.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us