مصير مسيحيّي الشّرق المقلق

المصدر: Ici Beyrouth
من لبنان إلى سوريا، ومن القدس إلى العراق، يواجه مسيحيّو الشّرق مرحلة جديدة من التّهميش والاضطّراب. حروب، ونزوح، وقيود، وانعدام للأمن، إلى جانب تآكل التّوازنات التعدديّة بشكل متدرّج، كلهّا عوامل تهدّد حضورهم التاريخيّ. ولا يقتصر الأمر على مصير أقليّة، بل يعكس أيضًا هشاشة أوسع في مجتمعات الشّرق الأوسط الّتي أنهكتها الأزمات، والعنف المتكرّر.
يمثّل الشّرق الأوسط مهد المسيحيّة، وفضاءً تاريخيًّا اتّسم بتعدّد دينيّ عريق. فقد شكّلت الطّوائف المسيحيّة جزءًا أصيلًا من نسيجه الاجتماعيّ والسياسيّ، ضمن واقع من التعدديّة الفعليّة، وإن كانت غير مكتملة. وتجسّدت هذه التعدديّة في لبنان وسوريا في الحياة العامّة. ففي لبنان، ترسّخ هذا الواقع عبر ميثاق 1943 الوطنيّ، القائم على تقاسم السّلطة بين المسيحيّين والمسلمين. أمّا في سوريا، وقبل وصول حافظ الأسد إلى الحكم، فقد برزت شخصيّات مسيحيّة في مواقع سياسيّة وإدارّية، بينما عكست مدن كدمشق وحلب تنوّعًا دينيًّا حيًّا، تعايشت فيه المكوّنات المختلفة ضمن فضاءات مشتركة من العمل والحياة.
في سوريا كما في العراق، سعت أنظمة مثل نظاميْ بشّار الأسد وصدّام حسين إلى تقديم نفسها كحامٍ للأقليّات الدينيّة، ومن بينها المسيحيّون. وقد ارتبط هذا الدّور بحسابات سياسيّة هدفت إلى تعزيز الشرعيّة، وترسيخ الموقع في مواجهة التيّارات الاسلاميّة. ورغم أنّ بعض الشخصيّات المسيحيّة شغلت مناصب ضمن أجهزة الدولة، لم يُترجم ذلك إلى سلطة مستقلّة فعليّة. كما ارتبط مستوى الأمان الّذي تمتّعت به هذه المجتمعات، بالأساس، باستقرار النّظام وبقدرة الدولة على فرض سيطرتها.
مع الحروب، والتوتّرات الدينيّة، وتفكّك الأقاليم، تآكل الإطار الّذي كان ينظّم التّعايش تدريجيًّا. فقد فقدت التعدديّة وظيفتها البنيويّة، وأصبحت أكثر هشاشة وقابليّة للاهتزاز. وفي هذا السّياق، يواجه مسيحيّو الشّرق، الّذين أثقلت كاهلهم عقود من الأزمات، مرحلة جديدة من التّدهور، تجسّدت بوضوح في الاضطّرابات الّتي طالت احتفالات عيد الفصح مؤخّرًا في سوريا، والقدس، ولبنان.
في سوريا، يبقى العامل الأمنيّ حاسمًا. ففي أواخر آذار 2026، أدّى هجوم استهدف مدينة السقيلبيّة ذات الغالبيّة المسيحيّة في ريف حماة، إلى إلغاء احتفالات عيد الفصح أو تقييدها. وقد أُقيمت الصّلوات ضمن إجراءات أمنيّة مشدّدة، من دون تجمّعات عامة. ويأتي هذا الحدث في سياق أوسع: فحتّى في المناطق الّتي تراجعت فيها العمليّات القتاليّة، لا تزال عمليّة إعادة التّطبيع غير مكتملة، بينما يظلّ الاستقرار هشًّا ومشروطًا.
قبل الحرب، شكّل المسيحيّون نحو 8 إلى 10% من السكّان في سوريا، أي أكثر من مليونيْ نسمة. أمّا اليوم، فتشير التّقديرات إلى تراجعهم إلى بضع مئات الآلاف نتيجة الهجرة، والنّزوح الداخليّ، وغياب عودة مستقرّة. وفي هذا السّياق، ينعكس كل حدث عنيف، مهما كان موضعيًّا، بشكل غير متناسب على هذه المجتمعات الّتي باتت قدرتها على الاستمرار على المدى الطويل موضع تساؤل متزايد.
في القدس، وعموم الأراضي المقدّسة، تتّسم الأوضاع بفرض قيود على الوصول، وبحالة من عدم الاستقرار المتكرّر. وقد شهد أسبوع الآلام عام 2026 تراجعًا ملحوظًا في أعداد المشاركين، مع اضطرابات طالت بعض الاحتفالات في سياق من التوتّرات المستمرّة. وفي الأراضي الفلسطينيّة، تشير معطيات حديثة إلى تقييد بيئة بعض الجماعات المسيحيّة بشكل متزايد، حيث تتداخل الصّعوبات الاقتصاديّة مع قيود الحركة والحوادث الأمنيّة، ما يساهم في تسارع وتيرة الهجرة بشكل تدريجيّ، ومتواصل.
تعدديّة متآكلة
في لبنان، يرتبط هذا التّدهور مباشرة بتصاعد المواجهات في جنوب البلاد. فقد أدّت الغارات إلى موجات نزوح شملت مناطق ذات حضور مسيحيّ ملحوظ. وفي آذار 2026، قُتل الأب بيار الرّاعي، كاهن إحدى القرى الجنوبيّة، في غارة إسرائيليّة بعد أن اختار البقاء إلى جانب رعيّته. وفي مطلع نيسان، تعرّضت قافلة إنسانيّة تابعة للفاتيكان، كانت متّجهة إلى قرى جنوبيّة، بينها دبل، وعين إبل، ورميش، لإطلاق نار في منطقة تشهد اشتباكات، ما حال دون وصولها إلى وجهتها. واضطرّت القافلة الّتي رافقتها قوّات اليونيفيل إلى التّراجع بفعل شدّة المواجهات بين إسرائيل وحزب الله. وفي هذه المناطق ذات الحضور المسيحيّ، العالقة في صراعات لا تخوضها مباشرة، تتعاظم هشاشة الواقع الإنساني، وتزداد صعوبة الوصول والاستقرار…
في العراق، لا تبدو الأوضاع غاية في الحضور لجهة التّغطية الإعلامية اليوميّة، غير أنّ الاتّجاهات العامة لا تزال مقلقة. فمنذ عام 2003، شهد الوجود المسيحيّ تراجعًا حادًّا ومستمرًّا. وأتاحت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية الميدانيّة، واستعادة مناطق مثل سهل نينوى، عودة بعض العائلات بشكل جزئيّ، غير أنّ هذا المسار يبقى محدودًا.
ولم يعد خطر التّنظيم المباشر هو وحده ما يفسّر هشاشة هذه المجتمعات، إنّما استمراريّة بيئة غير مستقرّة، تتّسم بانعدام الأمن المحليّ، وضعف الفرص الاقتصاديّة، والتّجاذبات السياسيّة.
رغم هذا الوضع، تبقى التّعبئة الدوليّة محدودة. فقضيّة مسيحيّي الشّرق أقلّ حضورًا في الفضاء العام، في ظلّ الأزمات الإقليميّة. من جهة ثانية، نادرًا ما تُطرح من زاوية دينيّة مباشرة، نظرًا لحساسيّتها السياسيّة.
لا يندرج تراجع مسيحيّي الشّرق ضمن مسار معزول، بل يأتي في إطار تحوّل أوسع تشهده مجتمعات الشّرق الأوسط. ففي مطلع القرن العشرين، شكّل المسيحيّون نسبة مهمّة من سكّان المنطقة، بينما أصبحوا اليوم أقليّة محدودة العدد. وقد تسارعت هذه الديناميّة بفعل أزمات العراق، وسوريا، ولبنان، ما عكس تآكلًا تدريجيًّا في التّوازنات المنظّمة لهذه المجتمعات.
ويعكس هذا التحوّل واقعًا أعمق: فمع تقلّص بعض المكوّنات التاريخيّة، تصبح آليّات التّعايش أكثر هشاشة، وتغدو خطوط الانقسام أكثر وضوحًا. وبالتّالي، لا تعبّر هجرة المسيحيّين عن وضع أقليّة فحسب، بل تكشف صعوبة متزايدة في الحفاظ على نماذج مجتمعيّة تعدديّة في سياقات الأزمات الممتدّة.
وفي لبنان بشكل خاص، تُظهر التّجربة التاريخيّة إمكان تدهور هذه التّوازنات بسرعة، مع ضعف دور الدولة وترسّخ العنف. كما تعيد بعض الديناميّات الرّاهنة ملامح من مرحلة الحرب الأهليّة إلى الواجهة: تفكّك الأراضي، وتعدّد القوى المسلّحة، وتراجع الأطر الجامعة.
وفي هذا السّياق، تتجاوز قضيّة مسيحيّي الشّرق مسألة بقائهم كجماعة، لتتحوّل إلى مؤشّر على حالة المجتمعات الّتي يعيشون فيها. فهي لا تعكس تراجع أقليّة فحسب، بل تكشف دلالة أوسع: شرق أوسط تتآكل فيه التّوازنات بوتيرة تفوق قدرته على إعادة بنائها.




