خطّ كركوك – بانياس – طرابلس: مكسبٌ استراتيجيٌّ للبنان؟!

ترجمة هنا لبنان 17 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Liliane Mokbel لـ”Ici Beyrouth“:

ماذا لو استطاع خطّ أنابيب منسيّ إعادة رسم خريطة الطّاقة في الشّرق الأوسط؟ في وقتٍ تتصاعد فيه التوتّرات حول مضيق هرمز وتُهدَّد طرق الإمداد البحريّة، يعود خطّ كركوك – بانياس – طرابلس إلى الواجهة. فهذا الشّريان الممتدّ على نحو 900 كيلومتر، والقادر على نقل ما يصل إلى 700 ألف برميل يوميًّا، قد يُعيد إلى لبنان، وطرابلس تحديدًا، موقعًا استراتيجيًّا غير متوقَّع.

خطّ قديم… ورهان طاقويّ متجدّد

شُيّد هذا الأنبوب في خمسينيّات القرن الماضي لنقل النّفط العراقيّ إلى البحر المتوسّط، قبل أن يتوقّف عام 1982 بفعل النّزاعات الإقليميّة. وبعد أربعة عقود، يعود إلى دائرة النّقاش مدفوعًا بضرورةٍ ملحّةٍ: تنويع مسارات نقل النّفط في منطقة شديدة الاضطراب.

فاليوم، تمرّ النّسبة الأكبر من الإمدادات عبر الخليج، أي عبر نقاط اختناق حسّاسة. وفي هذا السّياق، لم يعد وجود ممرّ بريّ نحو المتوسّط مجرّد خيار تقنيّ، بل تحوّل إلى رهان استراتيجيّ تفرضه التحوّلات الجيوسياسيّة.

طرابلس، من هامش منسيّ إلى مركز طاقويّ؟

لطالما بقيت طرابلس على هامش المعادلات الاقتصاديّة الكبرى، غير أنّ هذا الموقع قد يكون مرشّحًا لإعادة التشكّل. فميناؤها يملك مقوّماتٍ بنيويّةً لافتةً: عمق بحريّ مُلائم لسفن النّفط، مساحات قابلة لتطوير أنشطة التّخزين واللوجستيّات، وموقع جغرافيّ يربطها بالمسارات البريّة نحو سوريا والعراق.

وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحوّل المدينة إلى نقطة عبور للنّفط، ومركز تخزين استراتيجيّ، ومنصّة لإعادة التّصدير نحو الأسواق المتوسطيّة، بما يفتح الباب أمام تحوّل تدريجيّ هادئ، إنّما بأثر استراتيجيّ محتمل بالغ.

مكسب اقتصاديّ… بشروط

في سياق الأزمة اللبنانيّة، قد تبدو العوائد المحتملة مهمّة. إذ يمكن أن توفّر إيرادات رسوم العبور والنّشاطات المرفئيّة دعمًا إضافيًّا للعملة الصّعبة في ظلّ ضغوط ماليّة خانقة، بينما يساهم تطوير قطاع طاقويّ – لوجستيّ في خلق فرص عمل ضمن المرافئ والصّناعة والخدمات المرتبطة به.

ويضاف إلى ذلك رافعة أساسيّة تتمثّل في إعادة تشغيل مصفاة طرابلس، ما قد يُساهم في خفض فاتورة الطّاقة بنسبة تتراوح ما بين 30 و40%، مع انعكاسات مباشرة على الميزان التجاريّ.

مشروع على خطّ التوتّرات الجيوسياسيّة

لكنّ هذا السّيناريو يبقى مرهونًا بتوازنات سياسيّة إقليميّة بالغة الحساسيّة. فإعادة تشغيل خطّ الأنابيب تفترض مستوًى متقدّمًا من التّنسيق بين العراق وسوريا ولبنان، في بيئةٍ لا تزال تتّسم بهشاشة أمنيّة مزمنة.

ويزيد من تعقيد المشهد حدّة التّنافس بين القوى الإقليميّة والدوليّة، لا سيّما بين الولايات المتّحدة وإيران، ما يجعل من كلّ ممرّ طاقويّ ساحةً لإعادة صياغة موازين النّفوذ.

تلاقٍ محتمل للمصالح… لكنّه هشّ

مع ذلك، قد يتيح المشروع تقاطعًا نسبيًّا في بعض المصالح. فالعراق يسعى إلى تنويع منافذ تصدير نفطه وتقليص اعتماده على المسارات التقليديّة، فيما يمكن أن تستفيد سوريا من إعادة تشغيل مصفاة بانياس وتعزيز موقعها اللوجستيّ.

أمّا لبنان، فقد يجد في طرابلس فرصةً لإعادة تموضعه ضمن خرائط الطّاقة الإقليميّة، واستعادة جزء من دوره الوسيط. حتّى السعوديّة قد ترى فيه مكسبًا غير مباشر، كخيار تكميليّ لطرقها عبر ميناء ينبع، وفي سياقٍ أوسع يرتبط بإمكان إعادة إحياء خطّ “تابلاين” الّذي كان يربط الخليج بالمتوسّط عبر الأراضي اللبنانيّة.

لبنان أمام مفترق تحوّل

تبرز في خلفيّة هذا المشروع إشكاليّة جوهريّة: هل يمكن أن يستعيد لبنان موقعه كفاعل في خرائط الطّاقة الإقليميّة الكبرى؟

بالنسبة إلى طرابلس، الّتي بقيت طويلًا على هامش الديناميّات الاقتصاديّة الوطنيّة، يبدو الرّهان استراتيجيًّا بامتياز. بين إرث تاريخيّ مثقل بالانقطاعات وفرصة مستقبليّة محتملة، قد يشكّل خطّ كركوك – بانياس – طرابلس مدخلًا لإعادة تموضع المدينة كبوّابة طاقويّة في شرق المتوسّط، شرط ألّا تعيد تعقيدات الجغرافيا السياسيّة، مرّةً أخرى، تعطيل هذا المسار.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us