حزب الله ورّط لبنان بين هزيمتَيْن… 27 تشرين الثاني 2024 و16 نيسان 2026

هذا الخطاب يخلق فجوةً بين الناس والواقع. المواطن الذي يرى الخسائر بعينه ويعيش تداعياتها يوميًّا لن يقتنع بسهولة بأنّه “منتصر”. ومع الوقت، يؤدّي هذا التناقض إلى تآكل الثقة، ليس فقط بالخطاب، بل بالمؤسّسات ككل.
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
ليس من السهل على أيّ مجتمع أن يواجه حقيقة الهزيمة، خصوصًا حين تُغلَّف هذه الهزيمة بخطابٍ تعبويٍّ يصرّ على تسميتها “انتصارًا”. غير أنّ لبنان، بتاريخَيْه القريب والبعيد، اعتاد أن يدفع أثمان صراعات أكبر منه، وأن يجد نفسه في قلب معارك لا يملك قرارها الكامل. بين 27 تشرين الثاني 2024 و16 نيسان 2026، تتكثّف صورة هذا المأزق: محطّتان تختصران مسار تورّط، ونتيجتان تعكسان كلفة خيار، وسرديّة تصرّ على إنكار الواقع.
الفكرة الأساسيّة التي لا يمكن تجاوزها هي أنّ الخسارة، عندما تقع، تعني هزيمة. أمّا الكارثة الحقيقيّة، فهي ألّا يُعترَف بهذه الهزيمة، وأن يُعاد إنتاجها على شكل خطاب نصر، فيُترك المجتمع عالقًا في دائرة مغلقة من التكرار.
في 27 تشرين الثاني 2024، كان لبنان قد دخل فعليًّا في ما سُمّي “حرب الإسناد والمشاغلة”، أي الانخراط غير المباشر في مواجهةٍ إقليميّةٍ تحت عنوان دعم غزّة. ظاهريًّا، بدا الأمر وكأنّه تضامن سياسي وعسكري مع حماس. لكن عمليًّا، كان انزلاقًا تدريجيًّا إلى حرب لم تكن للبنان مصلحة مباشرة فيها.
الخطأ الأوّل لم يكن في التعاطف، بل في ترجمة هذا التعاطف إلى فعلٍ عسكريٍّ جرّ البلاد إلى مواجهة غير متكافئة. فلبنان، بواقعه الاقتصادي المُنهار وبمؤسّساته الهشّة، لا يمتلك القدرة على تحمّل كلفة حرب طويلة أو حتى محدودة.
ما حدث بعد ذلك كان متوقّعًا: تصعيد عسكري، قصف متبادل، تدمير للبُنية التحتيّة في الجنوب، نزوح واسع للسكان، وتعطّل شبه كامل للحياة الاقتصاديّة في مناطق واسعة. هذه ليست مؤشّرات صمود ناجح، بل مؤشّرات استنزاف.
الهزيمة هنا لا تعني فقط عدم تحقيق أهداف عسكريّة، بل تعني أيضًا فشلًا في حماية الداخل. فالدولة لم تكن صاحبة القرار، والمجتمع لم يكن شريكًا في تحديد المسار، ومع ذلك كان هو مَن دفع الثمن.
أمّا الهزيمة الثانية، فجاءت في 16 نيسان 2026، تحت عنوان “إسناد إيران”. فإذا كانت الأولى مرتبطة بخيار إقليمي لدعم غزّة، فإنّ الثانية جاءت في سياق أوسع: إسناد إيران في صراعها المفتوح مع الولايات المتحدة وحلفائها.
هنا يصبح المشهد أكثر وضوحًا: لبنان يتحوّل إلى ساحةٍ ضمن صراع دولي، يُستخدم فيها كأداة ضغطٍ لا كطرفٍ مستقلٍّ. والنتيجة، مرّة أخرى، هي تحميل البلد كلفة صراع لا يملك مفاتيحه.
إسناد إيران لم يكن قرارًا لبنانيًّا جامعًا، بل خيارًا اتّخذته جهة واحدة، فرضت نتائجه على الجميع. ومع تصاعد التوتّر، وجد لبنان نفسه في قلب تداعيات لا يمكنه التحكّم بها: تهديدات، ضربات محدودة، توتّر أمني، وتراجع إضافي في الاقتصاد المنهار أصلًا.
الهزيمة هنا مزدوجة: أوّلًا، لأنّها لم تغيّر في موازين القوى الكبرى؛ وثانيًا، لأنّها عمّقت أزمة الداخل اللبناني، وزادت من عزلة البلد، وأضعفت فرص خروجه من أزمته.
أخطر ما في هذه الهزائم أنّها لم تبقَ محصورةً في الجهة التي اتّخذت القرار. في الحروب التقليديّة، قد يخسر طرف سياسي أو عسكري، لكن في الحالة اللبنانيّة، الخسارة كانت جماعيّة.
البيئة الحاضنة للحزب كانت أوّل مَن دفع الثمن: دمار في القرى، خسائر بشريّة، نزوح، وفقدان لمصادر الدخل. لكن الخسارة لم تتوقّف عند هذا الحد. كلّ لبنان تأثّر: السياحة تراجعت، الاستثمار اختفى، العملة فقدت المزيد من قيمتها، والبطالة ارتفعت.
هكذا، تتحوّل الخسارة من حدثٍ سياسيٍّ إلى كارثة اجتماعيّة. فحين يُحمَّل مجتمع كامل نتائج قرار لم يشارك فيه، يصبح الحديث عن “الانتصار” ليس فقط مُضلّلًا، بل مستفزًّا.
على الرّغم من كلّ هذه المعطيات، يستمرّ الخطاب الحزبي في الحديث عن “انتصار”. هنا، لا بدّ من التوقّف عند وظيفة هذا الخطاب. ففي الكثير من الأحيان، يُستخدم مفهوم الانتصار كأداةٍ للحفاظ على المعنويات، لكن عندما يُصبح هذا المفهوم مُنفصلًا تمامًا عن الواقع، يتحوّل إلى شكلٍ من أشكال الإنكار.
الإنكار ليس مجرّد مشكلة لغويّة، بل هو عائق حقيقي أمام أيّ مراجعة. فكيف يمكن تصحيح المسار إذا لم يُعترف أصلًا بوجود خطأ؟ وكيف يمكن تجنّب تكرار الهزيمة إذا تمّ تقديمها على أنّها نجاح؟
الأخطر أنّ هذا الخطاب يخلق فجوةً بين الناس والواقع. المواطن الذي يرى الخسائر بعينه ويعيش تداعياتها يوميًّا لن يقتنع بسهولة بأنّه “منتصر”. ومع الوقت، يؤدّي هذا التناقض إلى تآكل الثقة، ليس فقط بالخطاب، بل بالمؤسّسات ككل.
التاريخ مليء بأمثلة شعوب هُزمت، لكنّها استطاعت أن تتعلّم من هزائمها وأن تُعيد بناء نفسها. الفرق بين هذه الشعوب وغيرها هو القدرة على المراجعة. والمراجعة لا تعني جلد الذات، بل تعني فهم ما حدث، وتحديد الأخطاء، والعمل على عدم تكرارها. لكنّها تتطلّب شرطًا أساسيًّا: الاعتراف بالواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون.
في لبنان، هذه المراجعة لا تزال غائبةً إلى حدٍّ كبيرٍ. الخطاب السّائد لا يزال يفضّل التبرير على النقد، والتأكيد على “الصمود” بدل تقييم النتائج.
بين 27 تشرين الثاني 2024 و16 نيسان 2026، لا نرى مجرّد تاريخَيْن، بل نرى مسارًا كاملًا: من التورّط إلى الخسارة، ومن الخسارة إلى الإنكار. الهزيمة، في حدّ ذاتها، ليست نهاية العالم. لكنّها تصبح كارثةً عندما تتحوّل إلى نمط، وعندما يكون هناك إصرار على إنكارها بدل معالجتها.
لبنان اليوم أمام خيار واضح: إمّا الاستمرار في هذا المسار، حيث تُتّخذ القرارات الكبرى خارج إطار الدولة وتُحمَّل نتائجها للمجتمع، وتُقدَّم الهزائم على أنّها انتصارات؛ أو الانتقال إلى مرحلة جديدة، يكون فيها القرار وطنيًّا جامعًا، وتكون الأولويّة لحماية الداخل لا لخوض معارك الخارج. وفي بلد مثل لبنان، لم يعد هناك ترف لتحمّل هزيمة ثالثة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة.. ماذا تغير بين 1982 و 2026؟ | حرب الإسناد الثانية… الشهر الثاني والأخير | “تلازم الهزيمتَيْن” بين الضاحية وطهران! |




