شبكات التّهريب نشطة بين لبنان وسوريا: كيف تُدار عمليّاتها؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ“Ici Beyrouth”:
على امتداد الحدود اللبنانيّة – السوريّة، لم تختفِ شبكات تهريب المخدّرات والأسلحة. وعلى الرغم من تشديد الجيش اللبنانيّ إجراءات الرّقابة منذ أواخر عام 2024، وتكثيف عمليّات المصادرة في عاميْ 2025 و2026، تبقى هذه الشّبكات نشطة بالتكيّف مع القيود الأمنيّة.
مسارات مجزّأة وطرق متقلّبة ونقاط عبور يُعاد توزيعها باستمرار…
فقد أعادت هذه الشّبكات تشكيل أساليب عملها بشكل جذريّ. موقع “Ici Beyrouth” يشرح لكم ما يحدث.
تمتدّ الحدود إلى نحو 375 كيلومترًا، وتبقى أجزاء واسعة منها غير مرسّمة بشكل رسميّ، لا سيّما في مناطق البقاع الجبليّة (كالهرمل، والقاع، وعرسال)، وفي منطقة القلمون على الجانب السوريّ. وتنشط حتّى اليوم عشرات المعابر غير الشرعيّة، على الرغم من العمليّات المتكرّرة الهادفة إلى إغلاقها.
يُضاف إلى هذا التحدّي الجغرافيّ واقعٌ عملياتيّ لا يقلّ تأثيرًا. فإلى جانب اتّساع المنطقة، وطبيعتها الوعرة، تبقى قدرات انتشار الجيش محدودةً بفعل تعدّد مهامه على مستوى البلاد.
ويقول مسؤول عسكريّ، في حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”: “حتّى مع قرابة 83 ألف عنصر، يستحيل حشد كلّ القوّات على الحدود وحدها”. ويضيف: “الجيش مطلوب في جميع الأماكن: أمن داخليّ، ومعالجة توتّرات محليّة، وأحداث، ووجود ميدانيّ… ويؤدّي هذا إلى تشتّت القوى، ويجعل من الصّعب فرض سيطرة مُحكمة على الخطّ الحدوديّ”.
في ظلّ هذه الأوضاع، ليس من المستغرب أن تواصل شبكات التّهريب استغلال الثّغرات الّتي يتسبّب بها هذا الانتشار المحدود، على الرغم من تشديد الاجراءات، إذ تبقى هذه الثّغرات جزءًا من واقع بنيويّ يصعب تجاوزه.
تدفّقات تتجاوز إلى حدّ كبير النّقاط الحدوديّة الرسميّة
لا تمرّ اليوم عمليّات التّهريب سوى بشكل محدود عبر المعابر الحدوديّة الرسميّة مثل معبر المصنع، حيث الإجراءات الرقابيّة مُشدّدة بشكل كبير. وقد دفعت هذه الأخيرة الشّبكات إلى إعادة توجيه مساراتها نحو طرق بديلة. ففي شمال البقاع والهرمل، يحصل العبور عبر مسالك ريفيّة، وطرق فرعيّة، ودروب جبليّة، غالبًا في اللّيل، وباستخدام مركبات خفيفة أو سيرًا على الأقدام.
ولمواجهة هذه الظاهرة، “أنشأ الجيش اللبنانيّ مراكز مراقبة، وأبراج رصد مزوّدة بكاميرات، وكثّف دوريّاته، ولجأ أيضًا إلى استخدام الطّائرات المسيّرة”، بحسب مصدرنا. “تحسّن الوضع بشكل ملحوظ، لكن من غير الواقعيّ الاعتقاد أنّ تحويل الحدود بكاملها إلى خطّ محكم الإغلاق ممكن؛ فكلّما أُغلق معبر، تظهر معابر أخرى لا محال”، يشير المصدر.
وتعود هذه القدرة على التكيّف إلى معرفة دقيقة بطبيعة الأرض. إذ يوضح مصدر مطّلع أنّ شبكات التّهريب والكارتيلات ملمّة بشكل كبير بجغرافيا الحدود، وتستخدم مسالك غير مرسومة على الخرائط، بعضها معروف ومستخدم منذ أجيال.
وفي المناطق الأكثر وعورة، تُنقل البضائع أحيانًا سيرًا على الأقدام أو باستخدام الدّواب، وهي وسائل بدائيّة إنّما فعّالة لتفادي الرّصد.
وفي امتداد هذه المسارات غير الرسميّة، لم تختفِ الأنفاق العابرة للحدود تمامًا، على الرغم من تراجع عددها مقارنةً بالماضي. ولا يزال استخدامها، وإن كان متقطّعًا، يحمل طابعًا استراتيجيًّا.
ويقول مصدر إلى موقع “Ici Beyrouth”: “الأنفاق ما زالت موجودةً، وهي غالبًا ما تُكتشف، أو يُعلن عنها، بعد أشهر على استخدامها، حين تكون قد استُنزفت وجرى التخلّي عنها”. ويضيف: “عند الاعلان عن اكتشافها، تكون عادة قد أدّت وظيفتها، ولم تعد ذات قيمة عملياتيّة”.
الكبتاغون والأسلحة وشبكات التّهريب: اقتصاد منظّم عريق
في قلب هذه التدفّقات، يظلّ الكبتاغون السّلعة الأبرز. إذ يُنتَج بشكل رئيسي في سوريا، قبل أن يمرّ عبر لبنان ليُعاد توجيهه نحو أسواق إقليميّة أخرى. بذلك، يتحوّل لبنان إلى منطقة عبور، وأحيانًا إلى نقطة تخزين، أو حتّى إلى نقطة إعادة تغليف.
بالتّوازي، يخضع تهريب الأسلحة لمنطق مختلف، على الرغم من تحرّكه ضمن الشّبكات غير الشرعيّة عينها. وبحسب المسؤول: “يأتي اليوم جزء من الأسلحة المتداولة مباشرةً من مخازن جرى التخلّي عنها في سوريا”.
ويشير المصدر: “بعد انسحاب بعض الأطراف السّريع عقب سقوط نظام بشّار الأسد، استولت مجموعات محليّة على هذه المخازن، من بينها قوّات تابعة للسّلطة السوريّة الجديدة بقيادة أحمد الشّرع. وما يلفت الانتباه هو إعادة بيع هذه الأسلحة أحيانًا… إلى الجهات الّتي تخلّت عنها، لا سيّما مقاتلين من حزب الله”.
ويشير إلى أنّ هذه المعدّات “تُخزَّن في مناطق مثل حمص، ثم يُعاد بيعها قبل أن تُهرّب مجدّدًا إلى لبنان بشكل غير شرعيّ، عبر الحدود”. وتشمل هذه التدفّقات، أساسًا، الأسلحة الخفيفة، والذّخائر، وقطع الغيار، وتُنقل بكميّات صغيرة بهدف تقليل مخاطر اعتراضها.
شبكات متجذّرة في الاقتصاد المحليّ
تقوم هذه الأنشطة غير الشرعيّة على بنية معقّدة، حيث تجمع بين فاعلين محلّيين وشبكات أكثر تنظيمًا. وعلى مستوى الحدود، تؤدّي عائلات وعشائر محليّة دورًا محوريًّا في اللوجستيّات، من نقل، وتخزين، وتأمين مسارات العبور. ويتجاوز دورهم السّياق الرّاهن.
ويقول الضّابط: “في بعض المناطق، لا يُعتبر التّهريب نشاطًا ظرفيًّا مرتبطًا بالأزمة، بل اقتصادًا قائمًا بحدّ ذاته، ومتجذّرًا منذ عقود”. ويضيف: “نتحدّث عن شبكات تعود إلى أربعينيّات القرن الماضي وخمسينيّاته”.
يعزّز هذا الامتداد عبر الأجيال القدرة على الصّمود والاستمرار. “تعيش عائلات كاملة من هذه الأنشطة. وينشأ الأطفال في هذا الوسط، ويتعلّمون آليّات العمل منذ نعومة أظافرهم. والأمر ليس ظرفيًّا، بل بنيويًّا”، يقول المصدر.
مع ذلك، هذه الشّبكات ليست جامدةً، بل تتكيّف باستمرار مع التحوّلات الاقتصاديّة والأمنيّة. “تتغيّر طبيعة التّهريب بحسب المراحل. ففي السّابق، كان التّركيز على تهريب اليد العاملة، من إثيوبيّين، ومصريّين، وسريلانكيّين. أمّا اليوم، فيشمل الأسلحة، أو المخدّرات، أو المهاجرين السوريّين”، يوضح المصدر.
وفي هذا السّياق، يبقى تهريب الأشخاص نشطًا ومنظّمًا. “ثمّة شبكات حقيقيّة. ومقابل بضع مئات من الدّولارات، يستطيع مهرّبون نقل أشخاص عبر الحدود، متجاوزين نقاط التّفتيش الرسميّة بالكامل”، يضيف المصدر.
وعلى الرغم من تعزيز الجيش اللبنانيّ لإجراءاته، تبقى مواجهة هذه الشّبكات معقّدةً، ليس بسبب القيود البنيويّة الّتي تجعل السّيطرة الكاملة عليها شبه مستحيلة فحسب، بل أيضًا بفعل عامل آخر بالغ الأهميّة.
“إلى جانب البعد الأمنيّ، يتعيّن النّظر إلى الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ في المناطق الحدوديّة”، يقول المسؤول العسكريّ. “إذا جرى إغلاق هذه الأنشطة من دون تأمين بدائل اقتصاديّة، واجتماعيّة، حقيقيّة وفعّالة، قد يدفع ذلك بعض السكّان نحو أشكال أشدّ خطورة من الجريمة”، يحذّر الأخير.
ويضيف: “بالنسبة إلى الكثيرين، يبقى التّهريب مهنةً حقيقيّةً، بل وسيلة عيش أساسيّة”.
ويختم: “لا يمكن التّعامل مع المشكلة من زاوية أمنيّة فحسب، بل هي في الأساس اقتصاديّة واجتماعيّة”.
بالتّالي، ما لم تُطلق الدولة مسارًا فعليًّا لتنمية المناطق الحدوديّة، يضمن فرصًا حقيقيّة في التّعليم، والعمل، ومصادر دخل بديلة، سيبقى جزء من السكّان مضطرًّا للانخراط في هذه الشّبكات. و”من دون آفاق اقتصاديّة، ستبقى هذه الدّوائر الخيار الوحيد المتاح بالنسبة إلى الكثيرين”، على حدّ تعبيره.
اليوم، تتجاوز الحدود مجرّد مسألة ضبط، أو انتشار عسكريّ، لتشكّل فضاءً حيًّا تحكمه وقائع اقتصاديّة قديمة، وضغوط اجتماعيّة راسخة. وما دامت هذه المعطيات قائمةً، ستبقى الاجراءات الأمنيّة، مهما بلغت من تشديد، مضطرّةً للتكيّف مع واقع يتجاوزها بشكل جزئيّ.
مواضيع ذات صلة :
الحدود اللبنانيّة – السوريّة: بين أداة جيوسياسيّة وخطر اختناق اقتصاديّ | ماذا يجري على الحدود اللبنانيّة – السوريّة؟ | إشتباك مسلّح بين مهرّبين على الحدود اللبنانية – السورية |




