“يوم المحبة والتضامن” في بكركي: دعوة من الكنيسة لإنهاء الحرب وتحقيق سلام عادل في لبنان

لبنان 19 نيسان, 2026

في ظلّ الظروف الدقيقة التي يمرّ بها لبنان، شكّل قداس “يوم المحبة والتضامن” في بكركي محطةً جامعة أكدت حضور الكنيسة إلى جانب أبنائها، ودورها في تعزيز الصمود وبثّ الرجاء، والدعوة إلى إحلال السلام العادل والشامل.

في هذا السياق، ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، قداس يوم المحبة والتضامن على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي “كابيلا القيامة”، انطلاقاً من رسالة الكنيسة في مواكبة أبنائها واحتضاناً للأخوة النازحين من قراهم الجنوبية، عاونه فيه المطرانان حنا علوان والياس نصار، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الخاص الأب كميليو مخايل، رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، والآباء فريد صعب، جورج يرق، بسام سعد، ومشاركة السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا، وعدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور وزير الإعلام المحامي د. بول مرقص، النواب: ندى البستاني، نعمة افرام، سليم الصايغ، رئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو والأمين العام للرابطة المحامي بول يوسف كنعان، ووفد من الرابطة، رئيسة المؤسسة المارونية للانتشار روز الشويري والامينة العامة هيام البستاني، نقيب المحامين في بيروت عماد مارتينوس، النائب السابق نعمة الله ابي نصر، رئيس كاريتاس لبنان انطوان سيف، رئيس جمعية مار منصور ناجي القدوم، وفود من بلدات الجنوب على رأسها الكهنة ورؤساء البلديات والمخاتير، والعديد من المؤسسات الكنسية والاجتماعية بالإضافة إلى ممثلين عن مجلس الجنوب و جمعية” سوليدارتي “وحشد من الفاعليات والمؤمنين.

بعد الإنجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان: “أما كان قلبنا متّقدًا فينا حان كان يكلّمنا في الطريق ويشرح لنا الكتب؟”، قال فيها: “إنجيل مسيرة الرب يسوع القائم من الموت مع التلميذين المصدومين من صلبه، والعائدين من أورشليم إلى قريتهما عمّاوس، على بعد أحد عشر كيلومتراً، ما هو إلا الاحتفال بالقداس الأول في أحد قيامته. يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، وبخاصة بالوفود الآتية من بلدات الجنوب اللبناني”.

وتابع: “أحيّي البلدات الثلاث والستين المتمثلة بيننا للصلاة من أجل راحة نفوس الضحايا، وشفاء الجرحى، وعزاء أهلهم. ونصلّي كي يحوّل الله هدنة وقف إطلاق النار من عشرة أيام إلى إيقاف الحرب وإلى إحلال سلام دائم وشامل وعادل، يتمّ بالحوار الجدّي المتجرّد، وبالمفاوضات الدبلوماسية، لخير لبنان واللبنانيين جميعاً، تحت لواء الدولة وحدها، وبحماية واستعادة سيادتها على كامل أراضيها، وبوحدة سلاحها. إنجيل تلميذَي عمّاوس هو إنجيل الطريق، طريق الإنسان حين يظن أنّ كل شيء انتهى، فإذا بالله يكشف له أنّ ما اعتبره نهاية، هو في الحقيقة بداية جديدة. كان التلميذان من بين الرسل الإثنين والسبعين، يسيران عائدين من أورشليم بعد موت يسوع، يحملان خيبة كبيرة، وكأن الرجاء قد انطفأ في قلبيهما مع الصليب. مسافة طويلة قطعاها على الأقدام، يتحادثان، ويتساءلان، ويتألمان، وكأنهما يعيدان قراءة ما حدث دون أن يفهما معناه. في هذا الطريق بالذات، اقترب منهما يسوع وسار معهما، دون أن يعرفاه. هذا المشهد بحد ذاته يحمل رسالة عميقة: المسيح حاضر حتى عندما لا نراه، موجود حتى عندما لا ندركه، يرافق الإنسان في ضعفه، في حيرته، في انكساره. سألهما عمّا يتحادثان، فعبّرا له عن خيبتهما، عن الرجاء الذي خاب، وعن الحلم الذي ظنّاه قد انتهى. هو الإنسان، وهي الجماعة، وهي الكنيسة، تحمل همها وتطلعاتها ومشاكلها. أمّا الرب يسوع فأسّس للإنسان وللكنيسة سر الإفخارستيا، ليكون معه ومعها “حتى نهاية العالم” (متى 28: 20)، بأقسام هذا السر الثلاثة: قسم الكلمة، وقسم الذبيحة والمناولة، وقسم الرسالة. فقسم الكلمة في سر الإفخارستيا، أي القداس الإلهي أو الليتورجيا الإلهية، يحمل عبادة المؤمن والجماعة معبّراً عن همومه وآماله وإقراره بخطاياه وتوبته. هذا مضمون صلاة الحسّاية وما يسبقها وما يليها. في هذه الحالة نحن نؤمن أنّ الله حاضر معنا ويكلمنا ويسمعنا، مثلما فعل يسوع مع التلميذين. في الطريق، اقترب منهما يسوع وسار معهما، لكن بعد أن استمع لهما، بدأ يشرح لهما الكتب، ويُريهما أنّ ما حدث لم يكن نهاية، بل تحقيق لما قاله الأنبياء: أنّ المسيح كان عليه أن يتألم ويموت ثم يقوم. هذا يجري في قسم الكلمة عندما نسمع كلام الرب في الرسالة والإنجيل، وفي العظة التي توصل إلى قلب المؤمن والجماعة تفسير مضمون هذا الكلام الإلهي”.

أضاف: “في قسم الذبيحة والمناولة، عندما جلس يسوع معهما إلى المائدة، قام بأربعة أفعال ما زال يردّدها اليوم كهنة العهد الجديد: “أخذ الخبز وبارك، وكسر، وأعطاهما”. فانفتحت أعينهما وعرفاه. فغاب عنهما. هذا هو قلب القداس: الذبيحة والمناولة. هنا يتحوّل السماع إلى حضور، والكلمة إلى لقاء حي مع المسيح. عندما نتناول جسده، لا نأخذه مجرد رمز، بل نأخذ قوة حقيقية: قوة جسدية وقوة روحية، قوة تُسندنا في تعبنا، وترافقنا في قلقنا، وتثبتنا في الرجاء. المسيح حاضر في هذا السر، حاضر عندما تضيق الطرق، حاضر في الحيرة والانتظار،حاضر في كل قلب يبحث عنه. وكما عرفه التلميذان عند “كسر الخبز”، هكذا يُعطى لنا أن نعرفه في كل مناولة، في كل لقاء صادق معه.أمّا قسم الرسالة فيذكّرنا بأنّ المسيحية هي رسالة تشهد للمسيح الحاضر معنا والفاعل أبداً في النفوس بفعل الروح القدس. فنبدأ الرسالة في العائلة والمجتمع والدولة، وهي شهادة في حياتنا لمحبة المسيح لجميع الناس. فبعد أن عرف التلميذان يسوع، لم يبقيا في مكانهما، بل عادا على الفور إلى أورشليم، سائرَين مجدداً الأحد عشر كيلومتراً، وفي الظلام. فالقداس لا يُختتم عند المذبح، بل يبدأ في الحياة اليومية. الرسالة هي أن يحمل الإنسان ما اختبره من ثقافة القربان، وأن ينقل النور الذي ناله، وأن يشهد للرجاء الذي امتلأ به. فكما عاد التلميذان ليعلنا القيامة، هكذا يُدعى كل مؤمن ومؤمنة أن يكون شاهدًا، وأن يحمل الإيمان إلى العالم، وأن يزرع الرجاء حيثما يوجد تعب أو انكسار. وأنتم، يا أهل الجنوب الأحباء أنتم في قلب الكنيسة، في قلب الوطن، في قلب الضمير، أكنتم مهجّرين أم صامدين في قراكم، كما عبّر فخامة رئيس الجمهورية في كلمته أول من أمس”.

وقال: “في قراكم، أنتم سياج هذا الوطن، أنتم الذين، رغم كل شيء، لا تزالون ثابتين. أنتم لستم فقط ضحايا، بل أنتم شهود. شهود على الصمود، شهود على الإيمان، شهود على أنّ الإنسان يستطيع أن يبقى واقفًا رغم الألم. وأنتم أيضًا، من بقي محاصرًا في قريته، ومن ينتظر، ومن يعيش القلق، له الحق أن تُؤمَّن له حاجاته، أن يُصان وجوده، أن تُمدّ إليه يد المساعدة، وفق ما يفرضه الواجب والحق والقانون الدولي. كما عبّر تلميذا عمّاوس عن أوجاعهما، أنتم اليوم تعبّرون عن وجع شعبكم ووجعكم أنتم. والمسيح يسمعكم، ويخاطبكم، ويشرح لكم ما يحدث. ووسط كل هذا، نقول بوضوح: إنّ هذه الحرب المفروضة، هي مرفوضة من الشعب، ومرفوضة من الدولة، ومرفوضة من كل ضمير حي. ونؤمن أنّ الطريق ليس في العنف، بل في الكلمة، ليس في القوة، بل في الحوار. السلام لا يُفرض، بل يُبنى. وأنتم اليوم، في صمودكم، وفي شهادتكم، تشاركون في بناء هذا السلام. فالسلام في الجنوب شرط للسلام في لبنان كله”.

وختم الراعي: “نصلّي معكم من أجل نهاية هذه الحرب البغيضة، وإحلال سلام عادل وشامل ودائم بنجاح المفاوضات الجارية، رافعين المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين”.

في سياق متصل، ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل ألقى عظة بعنوان “المسيح قام من بين الأموات ووطأ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور”. وقال فيها: “اليوم، في أحد الرسول توما، تدعونا الكنيسة للدخول إلى سر الإيمان من باب قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، هو باب الشك. نقرأ في هذا اليوم إنجيل القيامة بحسب يوحنا (20: 19-31)، حيث يظهر الرب القائم من بين الأموات لتلاميذه، فيما توما غائب، ثم يأتي ثانية ويدعو توما إلى لمس جراحه فيصبح توما شاهداً حياً على القيامة. نقرأ أيضا من سفر أعمال الرسل (5: 12-20) أنّ يد الرب كانت تعمل في الكنيسة الأولى، حتى إنّ ظل بطرس كان يشفي المرضى، وقد بقي الرسل، رغم الإضطهاد والسجن، شهوداً للقيامة، دون أي خوف. يبدأ المشهد الإنجيلي في مساء يوم القيامة، والتلاميذ مجتمعون والأبواب مغلقة «خوفًا من اليهود». الخوف يملأ القلوب، والإرتباك يخيم على الجماعة. لكن المسيح يأتي ويقف في الوسط، رغم الأبواب المغلقة، ويقول: «السلام لكم». إنه سلام ليس من هذا العالم، سلام القيامة الذي يخترق الخوف ويبدد القلق ويحول الضعف إلى قوة”.

أضاف: “توما لم يكن حاضراً، وعندما أخبره التلاميذ: «قد رأينا الرب»، لم يكتف بشهادتهم، بل قال: «إن لم أعاين أثر المسامير في يديه، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه لا أؤمن». بعد ثمانية أيام، أتى الرب مجدداً، والأبواب مغلقة، ووقف في الوسط. لم يوبخ توما أو يرفضه، بل دعاه برفق قائلا: «هات إصبعك إلى ههنا وعاين يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً». الرب يعرف جراحنا الداخلية، ويقترب من ضعفنا، لا لكسرنا، بل لإقامتنا. فالشك، عندما يكون صادقاً، ليس نهاية، بل قد يكون بداية إن قاد الإنسان إلى البحث الحقيقي عن الله. إنه الشك الذي يبتغي اليقين، وهو الذي يؤدي إلى الحقيقة. الكنيسة لا تقدم لنا توما كخاطئ مرفوض، بل كإنسان صادق في بحثه عن الحقيقة. هو لا يريد أن يؤمن بناء على أخبار ينقلها الآخرون، بل يطلب اختباراً شخصياً حياً. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في موقف توما تدبيراً إلهياً، إذ إن شكه صار سبباً لتثبيت إيمان العالم. فلو لم يشك توما، لما لمس الجراح، ولو لم يلمس، لما أعلن إيمانه بتلك القوة واليقين صارخاً: «ربي وإلهي». هكذا تحول الشك، الذي قاد إلى اللقاء بالمسيح، إلى أعمق اعتراف بالإيمان في الإنجيل كله”.

وتابع: “في عالم اليوم، يعيش الإنسان صراعات كثيرة: شك في الله، شك في الآخر، شك في المستقبل. كثيرون يعيشون إيماناً موروثاً، لكنه غير مختبر شخصياً، لذلك يتزعزع عند التجربة الأولى. أو يعيشون شكاً في القريب فإما يبتعدون عنه أو يدينونه دون اللجوء إلى معرفة الحقيقة والإستناد عليها. لذلك، يدفعنا شك توما إلى عدم الخوف من طرح الأسئلة التي تؤرقنا، وإلى جعل الشك جسرا نحو اللقاء بالمسيح الحي وبالإخوة. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: «إنّ عدم إيمان توما أفادنا أكثر من إيمان التلاميذ الآخرين، لأنه قادنا إلى الإيمان بالقيامة من خلال لمس الجراح». فالمسيح لا يخجل أن يري توما جراحه، لأنّ هذه الجراح هي علامة محبته. إنها الجراح التي بها شفينا، كما يقول النبي إشعياء. هكذا، فإن الإيمان المسيحي ليس فكرة مجردة، بل هو لقاء مع المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات، الذي يحمل في جسده آثار محبته لنا. إذا انتقلنا إلى سفر أعمال الرسل، نرى ثمار هذا اللقاء. التلاميذ الذين كانوا خائفين خلف الأبواب المغلقة صاروا شهودا جريئين. كان الناس يأتون بالمرضى إلى الطرق ليقع عليهم ظل بطرس فيشفوا. أي تحول هذا؟ إنه تحول من الشك والخوف إلى الإيمان والشهادة. لكن هذا الإيمان لم يكن بلا ثمن. الرسل سجنوا وتعرضوا للاضطهاد. مع ذلك، فتح ملاك الرب أبواب السجن وأخرجهم وقال لهم: «أمضوا وقفوا في الهيكل وكلموا الشعب بجميع كلمات هذه الحياة». إن الإيمان الحقيقي لا يخزن في القلب، بل يعلن ويعاش ويشهد له، رغم الصعوبات”.

وقال: “الترابط العميق بين الإنجيل وأعمال الرسل ظاهر في كون توما الذي نراه في الإنجيل يشك ويبحث، قد تحول في سفر أعمال الرسل إلى توما الذي يشهد للقيامة، مع سائر الرسل، بلا خوف. فاللقاء بالمسيح القائم يحول الإنسان من متردد إلى شاهد، من خائف إلى جريء، من منغلق على ذاته إلى منفتح على رسالة الكنيسة. في حياتنا اليوم، قد نختبر شكوكاَ في الصلاة وفي حضور الله وعدالته وتدبيره. لكن المهم ليس هل نشك بل ماذا نفعل بهذا الشك؟ هل نهرب منه إلى اللامبالاة، أم نحمله إلى المسيح؟ هل نغلق الأبواب كما فعل التلاميذ، أم ننتظر مجيئه في وسطنا؟ المسيح يأتي إلينا ولو كانت أبواب قلوبنا مغلقة. يقف في وسط حياتنا ويقول: «السلام لكم». يقدم ذاته لنا في الكنيسة والأسرار وكلمة الإنجيل، وفي القريب. إذا كنا نطلب أن نلمسه كما طلب توما، تعطينا الكنيسة هذا اللمس في الإفخارستيا، حيث نتحد بجسد الرب ودمه”.

وختم: “يختم الرب كلامه لتوما بعبارة موجهة إلينا أيضاً: «طوبى للذين لم يروا وآمنوا». هذه ليست دعوة إلى إيمان أعمى، بل إلى إيمان مبني على شهادة حية، وعلى اختبار الكنيسة عبر الأجيال. إنه إيمان يرى بعيون القلب، ويختبر حضور الله في عمق الحياة. فلنطلب إلى الرب أن يحول شكوكنا طريقا نحو الإيمان، وأن يفتح أعيننا لنراه حاضرا في حياتنا. ولنقل مع توما من عمق القلب والحياة: «ربي وإلهي». عندئذ، نصير نحن أيضاً شهوداً للقيامة في عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نور الإيمان وسلام المسيح”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us