“جريمة الغندورية”… بين مفهوم الدولة والفوضى!


خاص 20 نيسان, 2026

“جريمة الغندورية” لا تتعلّق فقط بكشف ملابسات حادث أمني، بل بمستقبل الدولة نفسها. وطالما أنّ كلّ المعلومات الداخلية والخارجية، سواء الصادرة عن الدولة الفرنسية أو قيادة “اليونيفيل” أو الأمم المتحدة، تتقاطع عند مسؤولية “حزب الله” عن هذا الحادث، فإنّ القرار الذي اتخذته الحكومة في الثاني من آذار الماضي، بحظر النشاط العسكري والأمني لـ “الحزب” يصبح تنفيذه ضرورةً وطنيةً قبل أن يكون مطلبًا خارجيًّا.

كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:

يمثّل الكمين المسلح الذي استهدف دورية تابعة للكتيبة الفرنسية ضمن قوات “اليونيفيل” في بلدة الغندورية جنوب لبنان حدثًا بالغ الخطورة، لا يمكن قراءته كحادثٍ أمنيّ عابر أو اشتباك موضعيّ محدود، لأنّ ما جرى يتجاوز طبيعته الميدانيّة ليحمل في طيّاته رسالةً مركّبةً، أمنيةً في الشكل، سياسيّةً في الجوهر، تتصل مباشرة بطبيعة الصراع القائم في جنوب لبنان وحدود الاشتباك ما بين “حزب الله” وإسرائيل، ومن خلفهما التقاطعات الإقليمية والدولية الممتدّة من إيران إلى واشنطن، وما بينهما الأمم المتحدة التي تعمل قوات الطوارئ الدولية بإشرافها وتحت إمرتها.

صحيح أن الكمين يندرج في خانة الاعتداءات الأمنيّة التي تتطلّب متابعةً دقيقةً، إلّا أنّ دلالاته السياسية أكثر عمقًا. فاستهداف قوة دولية تعمل بموجب قرار أممي، يعني عمليًّا توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أنّ وجود هذه القوات لم يعد مرغوبًا فيه من قبل أطراف فاعلة على الأرض.

وفي هذا السياق، يبدو واضحًا أن كلًّا من “حزب الله” وإسرائيل على الرغم من عدائهما، يتقاطعان موضوعيًّا عند نقطة واحدة: رفض أي دور فاعل لـ “اليونيفيل” يُمكن أن يقيّد حركتهما أو يفرض وقائع ميدانية لا تنسجم مع حساباتهما.

بالنسبة لـ “حزب الله”، فإنّ أيّ تعزيز لدور القوات الدولية أو توسيع هامش تحرّكها، قد يُفسَّر كخطوةٍ نحو تقييد نشاطه العسكري والأمني في منطقة يعتبرها مجالًا حيويًّا لنفوذه. أمّا إسرائيل، فترى في وجود هذه القوات عائقًا وإن جزئيًّا أمام حرية عملها العسكري، خصوصًا إذا ما تطوّر دورها ليصبح أكثر تدخلًا أو رقابةً، وإذا ما تعزّز دورها بعد هدنة العشرة أيام، وتحوّلت إلى وقفٍ دائمٍ لإطلاق النار، أقلّه من الآن حتى انتهاء مهامها بشكلٍ تامٍّ آخر العام الحالي. من هنا، يُصبح الكمين رسالة مزدوجة: رفض ضمني للوجود الدولي، ومحاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك على الأرض.

في المقابل، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام اختبار حقيقي وخطير. فالتعامل مع هذا الحدث لا يمكن أن يكون تقليديًّا أو خاضعًا للاعتبارات السياسية الضيّقة، سواء كانت داخلية أو خارجية، فالمطلوب تحقيق سريع وشفّاف وموثوق، يكشف هوية المنفّذين، ويحدّد الجهة التي تقف خلفهم، ويؤدّي إلى توقيفهم ومحاكمتهم وفق الأصول القانونية. لأنّ أي تهاون أو تأخير أو تسويف في هذا المسار، سيُفسَّر داخليًّا وخارجيًّا على أنه تكريس لعجز الدولة، إن لم يكن تواطؤًا، ما يُضعف ما تبقّى من هيبتها ودور مؤسّساتها.

إنّ فشل الدولة في فرض سلطتها على كامل أراضيها، أو في حماية قوّات دولية تعمل على أرضها، يضعها في خانة الدول الهشّة، ويقرّبها أكثر من نموذج الدولة الفاشلة. وهذا ليس توصيفًا إعلاميًّا مبالغًا فيه، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من تآكل المؤسّسات وتراجع القدرة على اتخاذ القرار السيادي المستقلّ.

حتّى الآن لم تشهد التحقيقات التي بدأتها الأجهزة أي تقدّم، وهذا ما كشفه مصدر قضائي بارز، الذي أكّد لـ “هنا لبنان” أنّ الأجهزة الأمنية ما زالت تعمل على جمع المعلومات، والتحقيق بموجب الاستنابات التي سطّرها مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم”، مشيرًا إلى أنّ “صعوبة الوضع الأمني في الجنوب، لا سيما في مكان الحادث، يُعيق التحقيق ويؤخّر كشف هوية الفاعلين”.

بالاستناد إلى هذه المعطيات، فإنّ “جريمة الغندورية” لا تتعلّق فقط بكشف ملابسات حادث أمني، بل بمستقبل الدولة نفسها. وطالما أنّ كلّ المعلومات الداخلية والخارجية، سواء الصادرة عن الدولة الفرنسية أو قيادة “اليونيفيل” أو الأمم المتحدة، تتقاطع عند مسؤولية “حزب الله” عن هذا الحادث، فإنّ القرار الذي اتخذته الحكومة في الثاني من آذار الماضي، بحظر النشاط العسكري والأمني لـ “حزب الله” يصبح تنفيذه ضرورةً وطنيةً قبل أن يكون مطلبًا خارجيًّا، إذ إنّ وجود السلاح خارج إطار الدولة، وتعدّد مراكز القرار الأمني، يفتح الباب أمام مثل هذه الحوادث، ويجعل من الصعب ضبط الوضع الميداني أو محاسبة المسؤولين.

إنّ استعادة الدولة لدورها لا يتمّ عبر البيانات أو المواقف، بل عبر خطواتٍ عمليةٍ تبدأ بالتحقيق الجدّي في “جريمة الغندورية”، ولا ينتهي باحتكارها حمل السلاح. وما بين الكمين والتحقيق، وبين الرسالة والردّ عليها، يقف لبنان اليوم عند مفترق حاسم: إمّا تثبيت مفهوم الدولة، أو الانزلاق أكثر نحو الفوضى المقنّعة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us