لبنان أمام فرصة تاريخيّة جديدة

ترجمة هنا لبنان 20 نيسان, 2026

كتب David Hale لـ “This is Beirut”:

بينما تستعدّ الفرق اللبنانيّة، والإسرائيليّة، والأميركيّة، لعقد أوّل قمّة ثلاثيّة من نوعها على مستوى القادة، يبرز الوقت للتأمّل في هذه الفرصة، واستخلاص الدّروس من الماضي.

لقد تاق معظم اللبنانيّين، ومنذ عقود، إلى استعادة سيادة دولتهم وإحلال السّلام. وثمّة أسباب متعدّدة حالت دون حصولهم على ما يعتبره معظم شعوب العالم حقًّا بديهيًّا؛ وفي العقود الأخيرة، شكّل النّفوذ الإيرانيّ، واستخدام حزب الله كوكيل لفرض القوّة في المشرق العربيّ، العائق الأساسيّ. وقد أدّى التمدّد الإيرانيّ، وتجاوزات حزب الله، إلى جانب تراجع بنيته القياديّة وقدرته بفعل ضربات الجيش الإسرائيليّ، وصعود قوى لبنانيّة ذات توجّهات استقلاليّة في بيروت، إلى جعل مسألة استعادة السّيطرة السياديّة الحقيقيّة أقرب من أي وقت مضى.

وباتت مؤسّسات الدولة اللبنانيّة، الّتي لم تعد تخضع للتّهديد الإيرانيّ، مستعدّةً للدّخول في مفاوضات دولة – لدولة مع إسرائيل، وقادرة على ذلك. لا تشكّل هذه الخطوة تنازلًا، لا بل إقرارًا بأنّ المهمّة الأولى لأي دولة مسؤولة تتمثّل في حماية حياة مواطنيها، وضمان سبل عيشهم، فضلًا عن بسط سيادتها الكاملة على أراضيها، وهو ما حال حزب الله، منذ نشأته، ونيابةً عن مصالح خارجيّة، دون أن تتمكّن أي حكومة سابقة من تحقيقه.

ثمّة قضايا جوهريّة بين إسرائيل ولبنان، مع إرث ثقيل من الخسائر والانفعالات الّتي تتحمّلها شعوب البلدَيْن. ومن خلال قبول عرض الرّئيس ترامب لوقف إطلاق النّار، وإجراء محادثات في واشنطن، يُشير القادة إلى إيمانهم بإمكان تجاوز الخلافات عبر الحوار بدلًا من القتال. فالمشكلة المشتركة الّتي تواجههم هي إيران، واستخدامها الأراضي اللبنانيّة خدمةً لمصالحها الخاصّة، لا مصالح لبنان.

ويتمثّل الهدف في منع طهران من مواصلة تدمير حياة اللبنانيّين والإسرائيليّين على حدّ سواء، وفتح المجال أمام سلام حقيقيّ. مع ذلك، لن يكون هذا المسار سهلًا ولا مباشرًا، إذ سيعمل حزب الله، بتوجيه من إيران، على عرقلته في كل مراحله.

يُخاطر القادة المتوجّهون إلى واشنطن بشكلٍ كبيرٍ من أجل تحويل هذه الفرصة إلى واقع. وقد سبق أن تعرّض كلّ من الرّئيس عون، ورئيس الوزراء نتنياهو الّذي يواجه انتخابات هذا العام، إلى انتقادات، غير أنّهما يمضيان قدمًا، وبحكمة.

تستوقفني، من خلال مسيرتي الدبلوماسيّة، مجموعة من الدّروس:

بالنسبة إلى إسرائيل: لا تترك الذهنيّة السّائدة في إسرائيل، بعد أحداث السّابع من تشرين الأوّل 2023، مجالًا واسعًا للمخاطرة. غير أنّ هذه اللّحظة تستدعي إعادة نظر دقيقة في الأهداف الاستراتيجيّة طويلة المدى، وفي المصلحة الوطنيّة المستنيرة، الّتي تقوم، إذا أُريد لها أن تتحقّق، على وجود دولة لبنانيّة فاعلة وقادرة على تأمين حدودها وأراضيها. وقد شكّل هذا الإطار مرجعًا لدى بعض الاستراتيجيّين الإسرائيليّين، لكنّ غياب الدولة اللبنانيّة كشريك، دفع إسرائيل إلى تبنّي مُقاربات أمنيّة قصيرة المدى، أسهمت من حيث لا تقصد في إضعاف سلطة الدولة اللبنانيّة وتعزيز نفوذ حزب الله. سيحمل استمرار احتلال الجيش الإسرائيليّ لأراضٍ لبنانيّة نتائج متوقّعة؛ إذ قد يمنح سكّان الشّمال شعورًا مؤقّتًا بالأمان، لكنّ هذا الأمان يبقى هشًّا. فإطالة أمد هذا الوضع تمثّل، في الواقع، أفضل ما يمكن أن يُقدَّم لحزب الله من ذريعة لتكريس سرديّة “المقاومة”، واستعادة قاعدته الاجتماعيّة. وكلّما كان الانسحاب الإسرائيليّ الآمن أسرع، كان ذلك أفضل.

أمّا بالنسبة إلى لبنان: تُبدي العواصم الدوليّة ثقةً كبيرةً برئيس الجمهوريّة جوزاف عون، ورئيس الوزراء نوّاف سلام. وبفضل الغطاء السياسيّ، ينبغي أن يستأنف الجيش اللبنانيّ بشكلٍ فوريٍّ مهمّة استعادة احتكار الدولة للسّلاح، عبر تنفيذ المرحلة الثّانية من خطّته، والمفهوم الّذي أقرّه مجلس الوزراء بشأن بيروت الكبرى. وسيشكّل التحرّك في هذا الاتّجاه أفضل دليل على أنّ الاستثمار في الجيش اللبنانيّ هو الخيار الأمثل للمستقبل. كما يواجه اللبنانيّون تحدّيًا سياسيًّا يعجز أي طرف خارجيّ عن معالجته: ضمان إدراك الطّائفة الشيعيّة أنّ مستقبل أمنها، وازدهارها، وتمثيلها السياسيّ يتحقّق على أفضل نحو عبر الولاء للدولة، لا عبر الارتباط بميليشيا مموّلة من الخارج.

بالنسبة إلى الولايات المتّحدة: عبّر المسؤولون الأميركيّون على مدى عقود عن رغبتهم في المساعدة على استعادة سيادة الدولة اللبنانيّة، من دون أن يُترجَم ذلك دائمًا إلى جهدٍ كافٍ على الأرض. ينبغي أن تثبت واشنطن على هذا الهدف، وتسرع في تقديم دعم عسكريّ وسياسيّ واقتصاديّ ملموس في هذه اللّحظة المفصليّة.

لقد كان الجيش اللبنانيّ شريكًا موثوقًا للولايات المتّحدة لعشرات السّنين، وهو المؤسّسة الرسميّة الّتي تحظى باحترام شريحة واسعة من اللبنانيّين، وتُشكّل مصدرًا أساسيًّا لثقتهم بالدولة. غير أنّ تجربة العام الماضي أظهرت أنّ التّعويل عليه وحده، لتسريع مسار نزع سلاح حزب الله، غير واقعيّ من النّاحية العمليّة. فبينما تقع المسؤوليّة الأساسيّة على اللبنانيّين أنفسهم، تبقى الحاجة قائمة إلى انخراط أميركيّ أكثر فاعلية، لا يقتصر على المراقبة فحسب، بل يشمل الدّعم والمواكبة الفعليّة.

وفي حين تسعى الولايات المتّحدة، وبصواب، إلى فصل مسار التّفاوض بين لبنان وإسرائيل عن إيران، يُظهر الواقع أنّ استمرار الضّغط على طهران كي توقف دعمها لحزب الله، سيبقى عنصرًا حاسمًا، وربّما شرطًا ضروريًّا لأي إعادة بناء مستقرّة للعلاقة معها.

أمّا على المستويَيْن الإنسانيّ والاقتصاديّ، فثمّة انطباع متزايد بأنّ وكالات الإغاثة الدوليّة متأخّرة في الاستجابة لحجم الأزمة اللبنانيّة، وفي سدّ الفراغ الماليّ الّذي يتّسع مع تراجع النّفوذ الإيرانيّ في الجنوب. وتملك الولايات المتّحدة شركاء موثوقين قادرين على تأدية هذا الدّور، وسيكون الاستثمار في دعمهم قيّمًا إذا كان الهدف هو ترسيخ الاستقرار، وتعزيز سيادة الدولة اللبنانيّة.

وفوق كل ذلك، ينبغي أن تواصل واشنطن مسارها بثبات، وأن تبقى ملتزمةً ومثابرةً حتّى مع تراجع حدّة الأزمة الحاليّة. فلا مكان للطّرق المختصرة نحو النّجاح في أماكن مثل لبنان.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us