إيران – الولايات المتّحدة: هل السّلام ممكن في ظلّ انعدام الثّقة؟

كتبتBélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:
تهديدات، إنذارات، ورسائل متناقضة: تتفاوض واشنطن وطهران في مناخ مثقل بانعدام الثّقة. ومع اقتراب جولة جديدة من المحادثات في باكستان، تبدو الدبلوماسيّة أقرب إلى اختبار حدود الطّرف الآخر منها إلى السّعي إلى اتّفاق.
قلّما تُبنى علاقة دوليّة يتجذّر فيها انعدام الثّقة بهذا الشّكل، كما هي الحال بين الولايات المتّحدة وإيران. فهو ليس مجرّد خلاف استراتيجيّ أو ظرف عابر، بل إطار يحكم العلاقة بين الطّرفين، تتحوّل فيه كل محاولة تفاوض إلى مواجهة موازية.
وتكشف المرحلة الرّاهنة عن ذلك بوضوح. فمن جهة، تُعلن واشنطن عن إرسال وفد إلى باكستان قريبًا لإحياء المحادثات. ومن جهة أخرى، تُبدي طهران تحفّظًا على مشاركتها، مشيرةً إلى غياب “مشروع واضح” لجولة جديدة، ومشكّكة في “جديّة” الموقف الأميركيّ. يكفي هذا التّباين منذ البداية لخلق مناخ من عدم اليقين قبل حتّى انطلاق المفاوضات.
ويُواكب ذلك تصاعد في التّصريحات المتناقضة. فبينما يؤكّد دونالد ترامب طرح “اتّفاقٍ معقولٍ”، يلوّح في الوقت عينه بتصعيد عسكريّ واسع في حال عدم تلبية شروطه، محذّرًا: “ستحدث انفجارات كثيرة”. في المقابل، تردّ طهران بخطاب لا يقلّ عنه حدّة، إذ تدين “انتهاكات واضحة” لوقف إطلاق النّار، وتربط أي حوار برفع الحصار البحريّ الأميركيّ.
لا يُعتبر التّبادل في التّصريحات والرّدود المتناقضة هذا مجرّد ضجيج دبلوماسيّ هامشيّ، بل تحوّل إلى أداة من أدواتها المركزيّة. فكلّ تصريح يُصاغ لتحقيق أثر استراتيجيّ: طمأنة الدّاخل، أو ردع الخصم، أو اختبار خطوطه الحمراء. غير أنّ هذا النّمط من الخطابات يزيد في المقابل من هشاشة أي مسار تفاوضيّ، عبر ترسيخ المواقف بشكل علنيّ، وتصلّبها.
تشكّل مسألة مضيق هرمز بؤرة هذا التوتّر. إذ بات ممرّ الاقتصاد العالميّ الحيويّ هذا أداةً متبادلةً للضّغط. فإيران تؤكّد أنّها أعادت “التحكّم الصّارم” في العبور، بينما تعزّز الولايات المتّحدة حضورها في خليج عُمان. وهكذا تقف القوّتان في مواجهة غير مباشرة، مع تفادي أي صدام مباشر، عبر تكثيف إجراءات الضّغط والرّدع. ويفرض كلّ طرف شكل الحصار الخاصّ به. وفي المقابل، يُنازع شرعيّة حصار الطّرف الآخر. في هذا السّياق، لا يعود التّفاوض مجرّد وسيلة لتفادي التّصعيد، بل يتحوّل إلى امتداد له بأدوات أخرى.
يزداد هذا المناخ تعقيدًا مع تداخل مسارات متناقضة. فمن جهة، تُعلن مفاوضات، ويُوفَد مبعوثون، وتُقبل وساطات. ومن جهة أخرى، تقوّض إجراءات ميدانيّة هذه الإعلانات، مثل احتجاز البحريّة الأميركيّة لسفينة إيرانيّة، أو الإبقاء على الحصار. وهكذا تُضعف كل خطوة عمليّة مصداقيّة الخطاب الدبلوماسيّ المرافق لها.
أمّا دور باكستان فيقع تحديدًا في هذه المنطقة الرماديّة. فهي ليست وسيطًا غير مباشر فحسب، ولا إطارًا لحوارٍ مُعلنٍ بالكامل، بل مساحة تفاوض ممكنة لكنّها قابلة لإعادة التّموضع سياسيًّا. يمكن أن يلتقيَ الطّرفان فيها من دون الاعتراف الكامل بأنّهما في مفاوضات مباشرة. يُتيح هذا الشّكل إبقاء قناة الاتّصال مفتوحة، مع تقليص الكلفة السياسيّة لأي انخراط مباشر.
دبلوماسيّة تحت تهديد دائم
لكنّ هذا المسار يبقى هشًّا. فهو لا يعالج التّناقض الجوهريّ: خصمان يلتقيان على طاولة التّفاوض، لكنّهما يتصرّفان كما لو أنّهما يفتقران إلى الحدّ الأدنى من الثّقة. ويتجلّى هذا التوتّر في مضمون المحادثات. ففي الملفّ النوويّ، تؤكّد واشنطن إنّ إيران مستعدّة للتخلّي عن اليورانيوم عالي التّخصيب، بينما تنفي طهران ذلك بشكل فوريّ. وفي ملفّ وقف إطلاق النّار، يتبادل الطّرفان الاتّهامات بخرق الاتّفاق. أمّا في مضيق هرمز، فتظلّ المواقف على حالة استحالة التّوافق عينها.
وهكذا، تتحوّل الدبلوماسيّة إلى ساحة صراع السرديّات. لم يعد الأمر يقتصر على التّفاوض حول الشّروط، بل يتعدّاه إلى فرض رواية للوقائع. فكلّ طرف يصوغ روايته الخاصّة، وينقض رواية الآخر، ويسعى إلى تثبيت الإطار الّذي سيُقرأ ضمنه أي اتّفاق محتمل.
تندرج هذه الديناميّة في سياق تاريخ طويل من القطيعة، وانعدام الثّقة المتراكم. فقد شكّل الانسحاب الأميركيّ من الاتّفاق النووي عام 2015 نقطة تحوّل عميقة في نظرة إيران إلى موثوقيّة الالتزامات الغربيّة. في المقابل، يُرسّخ في الوعي الأميركيّ اعتقاد بأنّ طهران توظّف المفاوضات للحفاظ على هوامشها الاستراتيجيّة. ولم يعد انعدام الثّقة هذا مجرّد عامل سياسيّ، بل بات بنيويًّا.
في هذه الظّروف، لم تعد المفاوضات تقوم على فرضيّة الحدّ الأدنى من الثّقة، بل على منطق التّقييد المتبادل. يتقدّم كل طرف وهو يسعى إلى تقليص مكاسب الآخر وتعظيم مكاسبه هو. وعليه، لن يشكّل أي اتّفاق محتمل ثمرة تقارب حقيقيّ، بل نتيجة توازن مؤقّت.
ويبقى السّؤال المطروح هو مدى قابليّة استمرار هذا التّوازن. هل يمكن تثبيت علاقة يُنظر فيها إلى كل خطوة كتكتيك، وكل التزام كقابل للنّقض، وكل انفتاح كموضع شكّ؟ تُظهر التّجربة إمكان إبرام اتّفاقات في سياقات مماثلة، لكنّ استدامتها تبقى رهينة قدرتها على الصّمود أمام الأزمات، والتغيّرات السياسيّة، وتباين القراءات والتّأويلات.
في الحالة الأميركيّة – الإيرانيّة، تبدو قابليّة استمرار هذا المسار موضع شكّ عميق. فالدبلوماسيّة تتحرّك في بيئةٍ مُشبعةٍ بالتّهديدات، والإشارات المتناقضة، وحسابات الرّدع المستمرّة. والسّلام، إن تَحقّق، لن يقوم على الثّقة، بل على توازنٍ هشٍّ قابل للاهتزاز في أي لحظة.
بالتّالي، لم يعد السّؤال ما إذا كان التوصّل إلى اتّفاق ممكنًا، بل إلى أي مدى يمكن أن يصمد هذا الاتّفاق في نظام لم يعد فيه انعدام الثّقة عائقًا أمام الدبلوماسيّة، بل شرطًا من شروطها الأساسيّة.
مواضيع ذات صلة :
قاليباف يُكذّب نعيم قاسم: “الحزب خاض الحرب لأجلنا”! | ترامب: لا أريد تمديد وقف النار في إيران | بالفيديو والصّور – واشنطن تعلن دهم سفينة مرتبطة بإيران |




