مفاوضات الجولة الثانية… “انتحار المحاور” أم ولادة “سلام الأقوياء”


خاص 22 نيسان, 2026

إنّها معركة العبور الشاقّة من “المنطق الميليشياوي” الذي يستدرج الحروب، إلى “منطق الدولة” الذي يصنع الاستقرار ويحمي المواطن، حيث تُصبح الدبلوماسية المحترفة، المدعومة بإرادةٍ وطنيةٍ صلبةٍ، هي السلاح الأمضى في حماية الكرامة الوطنية ومنع انزلاق البلاد مجدّدًا نحو الفوضى أو الاندثار.

كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:

تقف الدولة اللبنانية اليوم أمام منعطفٍ تاريخيٍّ حاسمٍ مع انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات، في لحظة سياسية تتجاوز بأبعادها مجرّد البحث عن ترتيباتٍ تقنيةٍ لوقف إطلاق النار، لتُلامس جوهر بقاء الكيان واستعادة قراره السيادي المُصادَر.
إنّ المشهد السياسي الراهن، المستند بوضوح إلى المبادئ السيادية التي أرساها الرئيس جوزاف عون في خطابه الأخير، يُشير إلى تحوّل جذريّ وغير مسبوقٍ في العقيدة التفاوضية اللبنانية، حيث انتقل لبنان من موقع “السّاحة” المفتوحة حيث تُدار فيها صراعات الآخرين وتُصفّى فوقها الحسابات الإقليمية، إلى موقع “الدولة” المركزية التي تُفاوض باسم مصلحة شعبها العليا حصرًا.
إنّ التفسير المعمّق لمسار هذه الجولة يُظهر أنّ الهدف الأساسي هو كسر “غريزة الانتحار” التي هيمنت على المشهد اللبناني لعقود تحت شعارات واهية، واستبدالها بـ “عقلانيّة السيادة” التي ترى في التفاوض المباشر والجاد فعل قوّة وضرورة وجوديّة لانتزاع الحقوق وحماية التراب الوطني من أطماع التوسّع أو محاولات فرض “منطقة عازلة” تنهش من سيادة البلاد وتخلق واقعًا جغرافيًّا مشوّهًا.

وفي هذا السياق، يبرز التطوّر الأهم في هذه الجولة وهو الإصرار اللبناني على “فكّ الارتباط” الجذري بين المسار التفاوضي اللبناني – الإسرائيلي ومسار المفاوضات الإيرانية – الأميركية. فلبنان، ومن خلفه المؤسّسة العسكرية والرئاسية، يرفض اليوم وبشكلٍ قاطعٍ أن تظلّ جبهته الجنوبية مجرّد “بطاقة بريدية” أو ورقة مقايضة لتحسين شروط التفاوض في الملف النووي أو النّفوذ الإقليمي لطهران.
إنّ المشهد السياسي يشي بأنّ الدولة اللبنانية قرّرت الخروج من نفق “وحدة السّاحات” الذي كبّد البلاد أثمانًا باهظةً، لتعتمد بدلًا من ذلك “وحدة المصالح الوطنية”. هذا الفصل للمسارات يعني أنّ المفاوض اللبناني يذهب إلى الطاولة بجدول أعمال محلّي صرف، يركّز على السيادة والحدود والانسحاب، معتبرًا أنّ استقرار لبنان لا يجب أن يظّل رهينةً لمدّ وجزر العلاقات الدولية بين واشنطن وطهران، بل يجب أن يكون نتاج تفاهمات تخدم الأمن القومي اللبناني أولًا وأخيرًا.

إنّ التوقّعات لهذه الجولة تتجاوز مجرّد فكرة تمديد الهدنة المؤقتة أو تبريد الجبهات، لتضع على الطاولة بكلّ جرأةٍ إمكانية صياغة تفاهمات مُستدامة قد تمهّد الطريق لمرحلةٍ جديدةٍ من الاستقرار تحت سقف القرارات الدولية والقانون الدولي. ويعكس تعزيز الوفد اللبناني بشخصيات ذات خبرة دبلوماسية عريقة في كواليس القرار الدولي، كالسفير سيمون كرم، رغبة الدولة الأكيدة في ممارسة “الاستقلال الفعلي” على طاولة المفاوضات. فلبنان لم يعد يقبل بأن يكون ورقة ضغط ثانوية في بازار المفاوضات الإقليمية الكبرى بين القوى العظمى، بل طرفًا أصيلًا يسعى لتثبيت حدوده المعترف بها دوليًّا وضمان انسحاب قوات الاحتلال بشكلٍ كاملٍ وغير مشروط.
إنّ السياسة اللبنانية اليوم، وفقًا للرؤية الرئاسية الجديدة، تُدرك أنّ زمن “الموت العبثيّ المجّانيّ” قد ولّى إلى غير رجعة، وأنّ بناء “سلام الأقوياء” القائم على الشرعية الدستورية والمؤسّسات العسكرية الرسمية هو الممرّ الإلزامي الوحيد لإنقاذ ما تبقّى من هيكل الدولة المتهالك.

علاوةً على ذلك، فإنّ نجاح هذه المفاوضات في تمديد الهدنة وتحويلها إلى ترتيباتٍ أمنيّةٍ دائمةٍ سيُشكّل الركيزة الأساسية لرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي، إذ لا يمكن الحديث عن استثماراتٍ أو إعادة إعمار في ظلّ غياب الأمن السيادي.
إنّها معركة العبور الشاقّة من “المنطق الميليشياوي” الذي يستدرج الحروب، إلى “منطق الدولة” الذي يصنع الاستقرار ويحمي المواطن، حيث تُصبح الدبلوماسية المحترفة، المدعومة بإرادةٍ وطنيةٍ صلبةٍ، هي السلاح الأمضى في حماية الكرامة الوطنية ومنع انزلاق البلاد مجدّدًا نحو الفوضى أو الاندثار.
بناءً عليه، فإنّ الجولة الثانية ليست مجرّد لقاء عابر، بل هي اختبار حقيقيّ لقدرة المؤسّسات اللبنانية على انتزاع اعتراف دولي بكيانها المستقل بعيدًا عن أي تبعيّة، وتحويل الحدود من جبهات استنزاف دائم إلى حدودٍ نهائيةٍ تحرسها الشرعيّة وحدها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us